globalnin

Bluehost coupon code india

godaddy discount coupon india

Pizzahut buy one get one

الإثنين , 24 سبتمبر 2018

أبوة النـــــــــــــــصّ الكاتب : طارق لحمادي -الجزائر

أبوة النـــــــــــــــصّ

الكاتب : طارق لحمادي -الجزائر

 

فكرة الأبوّة في الأدب فكرة مخيّبة للكتابة في أصلها، مفسدة للذوق في ممارستها، وهي تصدر عن نقص فادح في النفس ينحرف في الفهم من علاقة جيل سابق بلاحقه إلى علاقة أبوّة ببنوّة، ويشيع في هذه العلاقة روح التقديس بدل التوقير، ويخلط في التعاطي ما بين الطبيعي والرمزي، فيحمل صورة الأبوّة الطبيعية إلى ممارسة الرمز، ويُدْخِلُ الأثر الإنساني المُنْتَج من آداب وفنون وعمارة وفلسفة  في علائق مشوّهة لا تحتمل القياس، ولا تصلح به ولا تصح فيه، وتزيد فترسّخ فكرة التبعية كضرورة واجبة لا يستقيم الأدب دونها، ولا يعلو شأو النصّ فيها ما لم يقع بين التأثر والتأثير، وما لم يكن هذا التأثر مشارًا إليه محددًا عليه.

ونحن بزعمنا هذا لا نميل إلى نفي علاقة التأثر بالتأثير بين الأجيال، ولسنا نقيم الحجّة لضحد حقيقة جرت في الكون كسنّة حياة، ولكنّا نحاول جهدنا أن نفضّ الاشتباك، ونجلي الصورة، ونقدّم التصوّر الأمثل فيما يلحق بين الأجيال من وجه، وما يكون بين الآباء والأبناء من وجه آخر، ثم نفاضل بين صورة الرمز في منتج النشاط الإنساني وصورة الطبيعة في عُرف التناسل، فإن فعلنا ذلك أدركنا بُعد الشقّة، واستحالة المقابلة، وعقم التخريج، ذلك أنّ لكل علاقة ما يحكمها وما يمايزها بأدواتها عن الأخرى، فالأجيال في منتج أنشطتها الإنسانية تقوم على التأثر بالسابق عنها لتؤثر في اللاحق بها، وهي تستسلم لهذه الحقيقة دون وعي منها، وتعيش بها دون السعي إليها، بل إنها طبيعة وسنّة جبلت عليها النفس البشرية في الأخذ بكل ما هو جميل وخيّر وصادق وفاعل، وفي النهاية هو الأخذ بالقيم العليا مما سبق، وهذه في اعتقادي وفي أوجز تعريف صورة التلاقح بين الأجيال في ميدان إنتاج الحياة وهي تنتقل من طور إلى طور بين أيدي أبنائها.

فإنْ عدنا إلى ميدان الطبيعة في علاقة الآباء بالأبناء رأينا محدودية الشكل وضعفه ووهنه وارتباطه بمدة زمنية محصورة، وهذه الأوصاف لا تعيب هذا الشكل ولا تنتقص من قدره ولا تحطّ من معنى الأبوّة والبنوّة بل هي أوصاف تخص طبيعة العلاقة ومحدوديتها وماديتها الصرفة التي تنقضي بانقضاء النسل (الأب)، والتي يتحوّل فيها كل (ابن) إلى (أب) لينقضي في النهاية، وهي أيضا أوصاف مقابلة للشكل الآخر من فكرتنا هذه في مسألة الأجيال ومنتجها المعرفي، وهذه المفاضلة في فهم تلك العلائق تمنحنا خصائص كل علاقة على حدة، وتوضّح طينة كل علاقة ومسألة كونها وحياتها.

 

من هنا ندرك كمّ الفارق بين الفكرتين المختلفتين وإن تقاربتا في المظهر، ونفهم أداء كل علاقة وإن تشابهتا في التصوّر، لأنّ ما يصلح بين الأجيال يبطل بين الآباء والأبناء والعكس صحيح، ولكن بعضهم قاس الطبيعي إلى الرمزي وأجرى عليه حكمه، وبنى من ثمة تخريج الفهم المناسب لتلك الحال التي رآها ولا رأي بعدها. وهذا الفريق إنما زعم أنه يمثّل وجه الأبوّة – وهو لم يجهر بزعمه ذاك – لأنه يدافع عن الفكرة من غير أن يعلن عن حقيقة وجهه، ويطالب بضرورة الإيمان بها من غير أن يشير إلى اسمه، ويحاججنا بعضهم بما تزخر به الثقافات الإنسانية  الأخرى من حكايات عن علاقة الآباء بالأبناء، ويسوّقون إلينا رؤية جديدة تحت مسمّى” قتل الأب ” إذ ربطوا الفكرة بالقتل حتى يحصدوا التعاطف والتآزر الذي يكون دائما في صفّ الضعيف على حساب القوي، والمظلوم على حساب الظالم، والمقتول على حساب القاتل، وقتل الأب أو تجاوز ما كان. هو أصل حقيقة الحياة إن كان لهؤلاء قدرة على فهم الأمور بمنطق سليم، فالمدارس الفنيّة والأدبية والفلسفية لا تتأتّى لها الحياة ما لم يتجاوز لاحقها سابقها، ويخرج عنه، ويشذ عن الحدود المرسومة، ويحيد عن الجغرافيا المكونة لمساحة القديم، رغم فكرة التأثر التي لا يجب أن تُنْفَى نفيا كاملا، إذ يستحيل الامتلاء من فراغ، والحياة من موت، والوجود من عدم، ومع هذا فإنّ الإبداع في مفهومه العميق والرّاسخ لا يكون إلاّ بالخروج عمّا كان والكفر بالإيمان القديم كي يُبْنَى الإيمان الجديد، والذين يقدّمون حججهم من ثقافات الآخر ليثبتوا بقاء عروشهم وكروشهم يتجاوزون الفهم المستقيم إلى فهم سقيم، فيقدّمونه الدليل الذي يمنحهم بعض نشوة القيادة وسكرة البقاء على رأس القطيع، وقولهم في ذلك قول الأديب الروسي الشهير  فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي : ( كلنا خرجنا من معطف غوغول) والقول يحتمل الوجهين كون المعطف واحدة من أعمق قصص الكاتب الروسي نيقولاي غوغول وكونها أيضا – إنّ صحّ تعبيري هنا- الطريقة التي كان عليها فنّ القصّ في تلك الحقبة، ومن ثمّ اعتبار غوغول شيخ طريقة في الكتابة، والخروج الذي قصده دوستويفسكي هو الخروج الإيجابي لا السلبي، خروج الضد لا خروج الــ ( مع ) خروج البحث عن المغاير والمبتكر والمبتدع والجديد لا خروج الإيمان بالأصلي والباقي والميّت والقديم، وإلاّ ما أسميناه خروجا من أصله.

من هنا يقدّم دوستويفسكي حجّته على قتل القديم وعدم التعلّق به رغم سحره وجاذبيته وفتنته، لأجل تقديم الإبداع الجديد، ويقدّمون هم حجّة دوستويفسكي بعكس ما أمل صاحبها، يقدمونها على صورة البقاء في القديم وإعلاء سلطته وسطوته، وما الذي يعنونه بقتل الأب غير إعلاء كلمتهم وحضورهم ونصّهم وقتل ما دون ذلك، ثم.. هل فهم هؤلاء أنّ حياتهم الأدبية تشبه حياة الملك؟ فلو دامت لغيرهم ما وصلت إليهم، وبين هذا وذاك هل عرف أصحاب هذا المذهب أنّ الفنّ تمسّه خصيصة الإبداع بقدر ما تمسّه قوة التمرّد على القديم، والكفر بما سبق، ورفض ما حدّده الآباء، وأمر آخر يغيب عن الآباء في دعوتهم تلك، وهو أنّ القراءة والتأثر يتوزّع بين آداب الشرق والغرب كما يتوزّع بين القديم والحديث كما يتوزّع بين ألوان المعارف، وقراءة صحيّة  كمثل هذه القراءة تنسف المفهوم الضيّق الذي يرفعونه ( قتل الأب ) وسؤالنا إليهم: أيّ أب تعنونه بقولكم؟ أب الشرق أم أب الغرب؟ أب القديم أم أب الحديث؟ أب الفلسفة أم أب الأدب ؟ أيّ أب من بين هؤلاء الآباء الذي لا يجب قتله؟

وعليه فمن واجبنا أن نهمس لهؤلاء أنّ ثقافتنا العربية هي الثقافة الوحيدة التي تناضل وتجاهد في حفظ هذا الوجه من الفهم السقيم، في إعلاء القديم على الجديد، وفي إبقاء المدجّن على حساب الحرّ، وفي هيمنة الآباء على الأبناء، وأنّ هذه الثقافة هي التي تفاضل بين الأسماء والأعمار لا بين  الأعمال والنصوص، فتولّد بذلك ثقافة السلطة التي يمثلها الآباء وثقافة الهامش التي يمثلها الأبناء، ومنه تتشكلّ ثقافة غير خاضعة لمنطق نموها الطبيعي.

والحقيقة أنّ التراتب العمري  ليس بالضرورة أداة مفاضلة في النصّ الأدبي، والأب والابن قضية تنشأ بعيدا عن  النص، أما داخله فالمفاضلة تحسم لصالحه – أيّ للنصّ –  بين أيدي أجياله ( قد يكتب المتأخر أروع وأمتع من المتقدّم – عمريًا – وقد يكون العكس ) الذين خرجوا من معطف غوغول أعلنوا ذلك من باب الاحترام لسبقه في الحفر والتواضع، وأعلنوا ذلك من باب التجديد والخروج عنه ونفي طريقته لبداية طرائق جديدة في الكتابة مع الاعتراف بدوره لكي يبدأ دورهم بعده، ونموذج مصر في ثقافة مقاهيها ( ريش والفيشاوي)  يحضر كحجّة نقف بها في وجه هؤلاء،  فنجيب محفوظ ويوسف إدريس وسعيد الكفراوي وشلبي وأصلان وغير هؤلاء جمعتهم المقهى ليس بقيمة – أب وابن – وإن كان الظاهر يبدو كذلك بل بقيمة نصّ ونصّ، ومنه نعود لنقول  علينا بناء علاقات إنسانية داخل حلقات أجيالنا تقوم على المحبّة أولا والاحترام ثانيا، وعلينا بالمقابل التعامل مع النصوص بتجريد كامل، وبموضوعية حيّة بعيدا عن هذا المعيار الذي قد يعلي من شأن إبداع جيل ” أب ” تافه مثلا على حساب  إبداع جيل ” ابن ” ممتع لمجرّد أسبقية عمرية، وعلينا أن نضحّي بالأب لأجل حياة النصّ، والبؤس كل البؤس هو في قتل النصّ لأجل حياة الأب مهما كان هذا الأب، ومنه فلا وصاية على الأدب إلاّ بقيمة نصوصه بين أيدي أجياله.

أما الغريب الذي وجب التنبيه إليه والحرص على تقديمه والكتابة فيه، فهو فهم مسألة الأبوّة فهما سقيما، فقد فهموها  على أنها الامتياز والسبق والحظوة، وفهموها على أنهم الأسبق في طبع أعمالهم وإعادة طبعها مرة أخرى مهما كانت ركاكة وضحالة وضعف أعمالهم، وفهموها على أنها  السبق في نوادي الملتقيات، وحصص الإذاعة والتليفزيون، وحوارات الصحافة، وفهموها على أنهم أهل الحضور والفعل والتأثير حتى من دون نصوصهم، ونحن هنا نكتب لنصحّح زيغ بصرهم، وقلّة فهمهم، وسوءة تهافتهم، وأنانية قلوبهم، وطمع أنفسهم، من أنّ سمة الأبوّة هي إضافة وجدانية عالية القيمة والرّوح لا يجب أن يقصرها الكائن على المغانم والحظوة والحاجات، فما يتعارف عليه الناس هو أنّ الأب يضحّي بحياته في سبيل حياة ولده، ويؤثر ابنه على نفسه في المأكل والمشرب والملبس والمأوى، والأب الحق هو الذي ينوّه بفضائل وشمائل وخصال ابنه قبل فضائله وشمائله وخصاله، ويوم يعرف الآباء هذه الحقيقة ويؤمنون بها سوف نتخلص من تلك الثقافة الفاسدة القاتلة التي تطمس النصوص لحساب تأليه الآباء.

شاهد أيضاً

نخبة من المبدعين العرب في استطلاع عن الأدب والتغيير .. بجنة كتب

  الفنان متفرج وصانع لمجتمعه في وقت واحد . …. الأدب والتغيير  .. قضية جدلية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − 9 =

*