globalnin

Bluehost coupon code india

godaddy discount coupon india

Pizzahut buy one get one

الأربعاء , 15 أغسطس 2018

أضغاث حبّ ..قصة طارق لحمادي

 

الكاتب : طارق لحمادي  -الجزائر

     لا شيء يوحي بيننا بالحبّ، انكسرت الرّغبات القديمة مخلّفة وراءها شظايا الحقد، لم يبق من وجه الماضي غير ما تقطّره الذاكرة في وحشة هذا الجدب.

    كأننا انتهينا، لكنها تصرّ بما ملكت من دهاء الأنثى أن تُبْقِي على وهم حبل الوصل الممدود تحسبًا للقادم، وكلما هممتُ بغلق الباب الموارب بيننا، أسرفت في العتاب:

– هل تهون عليك العشرة بمثل هذا اليسر؟

    وككل مرة انصاع بذلك الضعف الذي جُبِلَ عليه الحبّ، تتراجع يدي عن اغتيال اللحظة، ويتساءل قلبي بحرقة.. هل تجبر كسور الرّوح؟

    ثمة أمل ميّت، جثّة ترقد على سرير احتضارها رغم محاولات الإنعاش التي تتلقّاها بين الفينة والأخرى، صرتُ أعرف كل شيء، بإمكاني أن أرسم الاحتمال الذي تضعه نصب عينيها، عليها أن تؤخر فكرة التدمير إلى الوقت الذي تبني فيه وجه مستقبلها، سَتُبْقِي على وهن هذا الخيط لنتيجة الشكل الذي سوف ترسو عليه، وعليّ بالمقابل أن أكون الهامش الذي يفسّر متن حياتها منتهيًا به إلى المعنى الذي تريده.

أيّ معنى يبقى للكائن في خضم هذا الغياب الذي راح يمتد بحججها؟

– وقتي لم يعد ملكي..

– أنا..

    يخنق البكاء اللحظة، وتشتعل هي كالنّار التي لا تبقي ولا تذر، في العتاب راحة للنفس وطمأنينة للقلب وبعض الأمل، لكنها تزمجر كالعاصفة، ففي عتبه ظلمٌ لها ولحياتها الجديدة:

– هكذا ظروفي.. أنت لا تعرف ما أعانيه.

    بقلبه يعرف، لا شيء يستغلق عليه رغم أنها تكتم عنه، في قدرة الحبّ أن تكون له تلك الأعين الرّوحية، لتكن قوة البصيرة التي تفتح مغاليق أبواب المجهول، وتُسْقِطُ عن الكائنات أوراق التوت معرّية إيّاها من كل ستر، تماما مثلما تعرّت له ليلتها، فاض الجسد عن حاجة الجوع، لاحت السمرة تحت الضوء الواني، اخترقت رغبته كما يخترق السهم طريدته، على تراب السرير لمعت الأعين بالشغف والحاجة، تطاولت الشهقات كأشجار صفصاف، أثمرا معا في لحظة سحرية، فقالت من وراء ثقل خدرها:

– كم أتمنى أن تمتد ليلتنا هذه.

احتواها ببسمته، لثم يدها بحنان عاشق، ثم همس:

– كم أتمنى ذلك أيضا.

    كان التعب يقطف ثمار قدرته، فاستسلم إلى دعة النوم، لفّته هناءة اللحظة، وشعورٌ غامرٌ بأنّ من تقاسمه الفراش زوجه، ليس بإمكانه الآن أن يفوّت فرصة معرفة كل شيء حتى وهي متمترسة وراء تلال الكذب، ففي روحه أجنحة الكشف وفي قلبه نداء الحقيقة، وتظاهرت بالحبّ البارد في فوضى اختلافهما، فأدرك فتور حرارة قلبها بمغريات الدنيا، وكانت تصرخ ملء الضجر كلما عتب عليها:

– العمل.. العمل..

    ليس أمامه غير الإيمان بقضاء الحجّة وقدر واقعها الجديد الذي راحت تغرق فيه كما تغرق ساق في الوحل، أيمكن لها أن تتراجع بعد كل هذه الخطوات؟ وهل بقدرتها أن تصارحه بالحقيقة كاملة؟

– فيم تأخرّك كل هذا الوقت؟

    ينداح في الجو نذير توتر، يذوب كل منهما في صمت أشيب، وتتساقط أوراق الحكمة والنضج عن لحظتهما، فتخرج عن صمتها إذّاك:

– أنت تعرف تراكمات العمل.

    لم يحدثها عن كابوسه، لم ينبس لها ببنت شفة عن جمر السهاد الذي يقلّبه ليلا على فراشه وهو يراها رؤى العين تمشي الهوينا نحو ذلك المكان الموحل، هل كانت تغرق بعيدا عن متناول يده؟ في عرض الوحل يجلس هؤلاء الرجال ببدلاتهم وربطات أعناقهم، حيث تدور الكؤوس وتعلو الضحكات، فيما تتحرّك هي بينهم كفراشة جريحة تتشظّى نظرتها بين رغبة الإقدام والإحجام، متسوّلة صفاء اللحظة التي تكشف لها الحقيقة من شرك الزيف.

    والحقيقة أنّ هذا كابوسه، مجرّد وهم ليلي يقض مضجعه ويفسد مذاق حياته، فيسأل بقلب يائس:

– أيّ عمل هذا الذي يُبْقِيها حتى مطلع الفجر؟

– هذا هو عملي عليك أن تؤمن.

    لم يكفر قط، مثلما كفر بهذا العالم، ليته انتهى إلى صدقها، لكنها تقسم بأغلظ الإيمان أنّ حياتها منذورة للعمل ولا شيء غيره، وقال في عواصف خصامهما:

– لا أشكّ لحظة واحدة في خيانتك، ولكن..

    ماذا وراء الصمت؟ والكابوس يتكرّر بنفس الأحداث، الليل والرجال والأضواء وصفحة الماء المنتهية إلى الوحل، شدّ ما تغيّرت حياتها، مزيدا من العلاقات والمعارف، وهذا الطموح الجارف الذي يوسوس لها بين كل حين وحين:

– أنتِ أكبر من علاقة حبّ يحكمها المجهول.

    أما الحبّ فبإمكانه أن يخفت صدى صوته فيتحوّل مع الوقت إلى مجرّد علاقة صداقة، وكل وضع يلزمه الجديد حتى في عُرْفِ القلب، لا يمكن بأيّ حال أن تستمر في ظلمة علاقة تبدو كالكهف الذي بلا نهاية، وأبواب الاختيار مشرعة أمامها.. الشهرة والغد والمال، أما ماضي القلب فأحجية سرعان ما سوف تنتهي بموت الغول.

    كيف تقتله إذن؟ كيف تفعل ذلك من غير أن تلطخ يديها بقطرة دم واحدة من روحه؟ وكيف تنجو من مخالب معرفته وهو يحلّق فوق سماواتها فيكشف أدق أسرارها؟ وكي تنحرف به عن هذه البصيرة إلى العمى، راحت تلاعبه كما تلاعب الهرة فأرها، عليها أن تقتله ببرد الغياب، وشقة المسافة، ولعنة الانتظار، وليكن الوهم هو أداة موتهما معا.

في رواية أخرى…

    مات بالحقيقة، فقد افتضحت صور الكابوس، إذ تراءت في فوضى الضباب الليلي وهي تلوّح بيدها من خلال اللجة، وتستغيث بما بقي لها من نفس، لكن الرجال الذين تحلّقوا على الشاطئ أول الأمر، عادوا فتراجعوا وهم يحملون الكؤوس وضحكاتهم تملأ الليل.

 

شاهد أيضاً

خيول منتصف الجرح بقلم / سميرة بولمية الجزائر

على صهوات أحصنة الليل يعبرون زفرات جسر الفجائع، ومن فكوك عداوتهم تتدلى رؤوس الأسود والصقور …

2 تعليقان

  1. العزيز طـارق…

    إن كاتبا بلا قارئ مولع بالقراءة ، هو كاتب مركون في العتمة. وأحيانا ، تظل نصوص بقارئ لا يجئ ،نصوصا بائسة،وكأن الكتابة أفرغت من جدواها، وقد يداهم صاحبها ربما شك في قدرته على تواصل إبداعي. غير أني أعرف صاحب هذا النص المبثوث عبر النت ” جنية العصر” كما يحلو لي تسميتها. وأعرف هوسه القصصي الباذخ ورؤاه الخصبة وأسلوبه الشيق.

    دعني أقول أن نصك الجميل هذا ،ثري الخبايا ، قنص العبارة المثلى ؛ أثث خلفية للسياق؛ تلاعب بعملية الضمائر ؛ جرّ القارئ لثيمة تلابس المجتمع الحديث. تواطأ بفنية مع علاقة عاطفية مشوبة باللبس والتكهنات. عجن اللغة وصاغ قوالبها تأدية الصائغ للمسوغ البارع.

    شـكرا على هذه المأدبة الشهية.
    تـقديري. وكن أنت كما تشاء.

  2. تحيتي العزيز سعيد..
    شكرا لهذه القراءة الدافئة التي عانقت النص بمحبة وشغف وجمال، شكرا صديقي المبدع الذي نتعلّم من رسم حرفه، وجمال ذوقه، وبديع حضوره الإنساني الغامر..
    الله يحفظك عزيزي سعيد، كل حرف وأنت الفرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three × five =

*