globalnin

Bluehost coupon code india

godaddy discount coupon india

Pizzahut buy one get one

السبت , 23 يونيو 2018

القصة القصيرة في الجزائر ..تجـــارب واعدة في أفق قلـــــِق

 في البدء ..

أنحاز إلى القصة مع سبق الحب والثقة والانصهار

ليس لأنني أكتبها وأقرأها بنهم ..فقط

بل لأن هناك تجارب ثرية في القصة القصيرة والقصيرة جدا ،، تغني عن قراءة أي شيء آخر معها ..وجبة حرف وثراء وتكثيف وسرد وعمق وفكرة ..تغنيك عن معانقة آلاف الصفحات

لهذا آثرت أن يكون هذا الملف البسيط عن تجارب قصصية جميلة لكتاب من الجزائر ، الكثير منهم سطع وهج ابداعه محليا وعربيا ..

في البداية جاءت الفكرة لنشر الملف قصة  ثم قصة ، ثم اقترح القاص الاستاذ السعيد مرابطي ان تكون القصص مجتمعة في حضن ملف واحد ، فكانت هذه النصوص ، في جنة كتب مع كل الحب  ..

 

الطُّعْمُ ..

قصة بقلم .. طارق لحمادي – الجزائــــــــــر

 

في أيّ يوم يمكن أن يحدث ذلك، العمل غير قارّ، مساحة الحرّية واسعة باتساع مزاجه، لا أحد يزجره، ولا من يسأل عن سبب غيابه مثلا، حتى معارضة الأصدقاء فإنه يدلّلها بالضحكة البريئة الصافية الطالعة من القلب، وهو يقول: – يا أخي راني نخدم عند روحي.. العمل عند ” الحكومة ” مشكلة على حدّ قوله، لا يمكن له أن يصمد فيه، الرّوتين المميت لا يناسب مزاجه المتقلّب، وسجن الوظيفة المضبوط بدوام الساعات والأيام لم يُخْلَق لمثل أجنحته، هو هكذا حرّ وفارغ من أيّ التزام يفسد عليه متعته، ومتعته في عمله المطلق، يفعل ذلك أنى شاء، حتى لو دعت الضرورة لطرده من العمل – وهذا نادرا ما يحدث – فسوف يجد له عملا بديلا، يده مطلوبة وثقة النّاس به تفوق تملّصه من عمله بين الحين والحين، إذ يكفي أنه ابن حلال، وأنه يشتغل كبغل، ويخلص في أداء ما أوكل إليه من مهام، ولكن مشكلته، كل مشكلته أنه غير قادر على مجاراة نظام النّاس والتزاماتهم، ففي أيّ يوم يمكن أن يحدث ذلك، فعمله غير قارّ، ولا ضير إنْ غاب يومًا، يوم واحد هو كل ما يلزمه ليمضي بعدّته إلى البحر.. في ذلك اليوم الذي قرّر فيه كانت هي قد تحضّرت، شطحت في الماء، غاصت في العمق، أفرغت جسمها من ثقله، بدا وزنها ميّتًا، ما سمح للتيار بحملها في خفّة ريشة، ثم استيقظ وعيّها فجأة، فاندفعت بخيشومها نحو الحيد البحري تتشمّم الرّوائح والذكريات، لا أكل، لا جثّة يمنحها البحر مكافأة لهذا السعي الحثيث، سرب السردين خلفها يتدافع، ينزلق في الزّرقة، يعلو قليلا، يبطئ، يسرع، يدور، يلتفّ، ينفتح، ثم يهرب بعيدًا، الصخور تبدو خضراء من أثر ما علق بها من نباتات، تتلألأ المياه في العمق، يلمع جسمها الفضّيّ تحت أشعة الشمس المتسلّلة من السطح، تحيد عن الصخر باستدارة كاملة، ثم تشقّ طريقها رأسًا نحو الأعلى، صلبة العود، رشيقة القدّ، والسرب يتلاشى، في كل اندفاعة يتغيّر إيقاع تركيبه، كرة كبيرة مهتزّة الحواف لا تترك من أثر يدل عليها غير هذه الفقاعات المائية التي تنطفئ بعد حين، أما هو فقد سار معتمدا على هذه الدندنة التي يقتل بها وحشته، فقبل قليل افترقا بعد أن اقتسما الطّعم: – سأقصد الرّوشي “” roche.. قال على الرّمل ترك آثار سيره، ” الصاك ادو ” على ظهره والسنّارة مثنية في يده، بدا من جرّ رجليه كأنّ التعب قد استبدّ به وهو يتنقّل من نعومة الرّمل إلى قسوة الحجر، استند بيده على نتوء الصخرة، ثم دفع جذعه برجله اليمنى متخذًا لليسرى موضعًا حيث يمكنه أن يستمر، الحيد الصخري يتثعبن، نتوءات صخره عند المنحدر كجلد قنفذ، إنّ أبسط زلّة قد تلقي به إلى القاع، ثقل ” الصاك ادو ” يربكه، لكنه يتشبّث بمهارة قرد، ويواصل تسلّق الجرف والغناء يسيل من لسانه.. على الصخر لا أثر للحياة، فقط القسوة والسماء والماء، يندفع بالحبو إلى أعلى المنتصف، ثم يميل فينحدر قليلا إلى أن يصل مكانه أين يتخذ من تلك البسطة موقعه الذي يشرف على الماء، من هنا سيكون بإمكانه أن يخدع ” الشرغو ” فحركة الموج التي يحدثها المد والجزر سوف تصطدم بالصخر فتتحوّل إلى نثار ماء مشتعل أبيض، رغوة زبد تتعانق ثم تنطفئ، وفي ظلام الصخر حيث لا يمكن لشعاع الشمس أن ينفذ، تتربّص هي.. فضّيّة الرأس، يتعانق لونها في تدرّجه نحو الجذع مع البياض، وتزيدها الخطوط الرّمادية الباهتة التي تقطع جسمها عرضيا فتنة اللؤلؤة المندفعة في الماء، باستطاعتها الآن أن تخدعه وهي تحتمي بالظلام وارتطام الموج، لن تمكّنه هذه الفوضى الهادرة من الرؤية وهو عالق هناك في رأس الصخر، عليه أن يستلّ السنّارة.. سحبها إلى آخر قدر من طولها، لن يرحم الشرغو اليوم، من السخف أن يعود خالي الوفاض، فتلك منقصة لا تليق بخبرته في الصيّد، ومن العار أن لا يجد في لسانه ما يسد رمق الحكاية حين يجمعهم سمر المقهى، سوف يتطاوس الرفاق كعهده بهم: – قدّاه نسمكة صيّدت؟ بماذا يجيب إن كانت الخيبة حليفه؟ ما كتبش ربي.. الضحكات تملأ المقهى والليل والفضاء.. – الموضع نحس.. التطيّر هو دين هؤلاء الصيّادين، الشّماعة التي يعلّقون عليها خيباتهم، لكنه لن يستسلم، رغم الطقس الهادئ الذي لن يكون في صالح شصّه، فسوف يحصل عليها.. واحدة.. اثنتان.. ثلاث.. مثل هذا القدر قد يلهمه سمرة فخر، وبسمة غرور تكشف لهم عن تفرّده في امتلاك السرّ.. – مطواعة تأتي، مستسلمة ترضخ، تقتربُ بالرّضا.. تنتش الطّعم، ثمأطعم الشصّ لحم السردين، فالشرغو في وقت وضع بيضه ولن يتوانى عن نهش ما يعلق أمامه، ثم راح يرخي الخيط من خلال حلقات القصبة مسندًا مقبضها النحاسي إلى ركبتيه، حتى إذا تدلّى أمسكها بكلتا يديه وطوّح بالخيط في الهواء حيث يقوده ثقل الرصاص إلى عمق الماء.. فريسة سهلة على الصخرة هو، وهي تتربّص، في عينيها المفتوحتين الحذر، في جوفها الجوع، بخيشومها تشمّ انتظاره، تشمّ قبضة يده المتأهبّة، بالصبر تدور في الماء، الظلمة والهدير، الموج يخفي مناوراتها، بطول البال يتسكّع في خيالاته: – اصطدتها عند الجرف؟ نعم. يتمطّى الفرح في وجهه، الطفولة أنهار تجري على محيّاه، وهي لن تمنحه ما يتمنّى، دورة أخرى بتسارع مريع، اللحم يسيل بدم ملفت، تندفع بالحيطة، تقترب بالحذر، سوف تلتفّ الآن خلف هذه العوالق، تقترب أكثر.. أكثر.. كالسهم، بصدمة كهرباء تنهش المضغة، فينفجر صوت الجرس عند طرف نهاية القصبة.. كانت أسرع ممّا تخيّل، لم تمنحه فرصة العودة من خيالاته كي يشدّ بقوة ويسحب، خيّل إليه أنها نهشت قطعة من لحمه، خدعته بسرعتها، وعاد الجرس إلى صمته المطبق: – الموضع نحس.. الموضع يناسبها، حيثُ الظلام والهدير، اندفاع الموج هو ما يخدمهما معًا.. لكن لِمَ لم تعلق؟.. ضحكوا بملء التهكم، وقال له أحدهم: – من خيبتك.. – الطّعم.. – ” اللي خانوه زنودوا يقول بيا السحورلطم الحجر، وبصق على البحر، الشرغو في الرّبيع يبيض ومن جوعه يلتهم كل شيء. كان رنين الجرس يعلو ويخفتُ في نوبات قضمها، أسرع من يديه هي، وأمهر من حذر أذنيه، وهو يعلق طُعْمًا في شصّ انتظارها، هناك أعلى البسطة حيث لا تراه.. ــ

هوامش :

 الشرغو نوع من السمك يعيش قرب الصخور البحرية
الصاك ادو le sac a dos حقيبة الظهر
الرّوشي “” roche تسمية الصخر باللسان الفرنسي
اللي خانوه زنودوا يقول بيا السحور مثل شعبي يضرب لمن يعلق فشله على أسباب واهية.
 

 

دم فــي مـعــبد الطـــين..

قصة بقلم/ السعيد مرابطي

   غبش المدينة الرمادي مدّ في شـجيج النـــهار إلى حدود ضاحيتها الشرقية ،فانفلتُّ مــؤقـتا من رضوض النفس لألقاني هنا… كما لو طاف بي توجس بدوتُ، وأنا أتحفز موطئ قدميّ بين هذه الساحة الشبيهة بكوكب زعفراني اللون ، قد شابته تربة ملساء عند أطراف نتوءاته ، بيد أن رائحة رطبة تناهت إلى خياشيمي ،فأمسكت عن الاستنشاق لحظات حتى أتعود على مزاج المكان ،الذي تسلقت جانبا منه صخرة زهرية مرتفعة ،مسنّـة مسنونة ،أطلق عليها سكان البياضة* الأوائل اسم : كـاف السـلّـوم.

  سارت بي الخطى فوجدتني هنا..لتشغلني بأسرارها الساحة  وينتابني شبه ذهول !

   عم يحيلني ارتباكي هذا وفيم الذهول؟

السير كشاف يذهل كل رواع. وقد يقي من فداحة الجهل ويبرم الانسجام الذي لا يخطر على بال. دفعتُ بالخطى  مندهشا بما شغل مجال الرؤية … اصطفت الأشياء أمامي ترشق الساحة بأشكال وألوان في تموسق مريح… لست أدري كيف هزني ذات الموقف المشتبه  به وطار بي لأعانق مشهدا شبيها عند عتبة شجيج نهار مقابل ، تحرص الذاكرة  ترممه لديّ …

   يومها كنت ألج حرمة ورشته بتلك  المدينة المشاغبة ، التي تعرشت بواجهتها  جداريته على المدخل.

استقبلتني منحوتاته حيث تشابكت مع فضاء المكان بأوضاع  تعمدها صاحبها على ذلك المنوال الشخصي كي تسرح العين  فيه ما بين ترتيب وإهمال .هي نظرة نحاة يشتبك مع مجسماته قبيل وبعيد إنجازها عبر هذا الفن المرئي الذي يعتمد على تجسيد مجسمات ثلاثية الأبعاد. ظلت عيني تسرح مبهورة يطرز مرحها ما شاهدته من أشكال بأنماط جمة،تجسدت بمواد طغت عليها مادة الطين ،حيث انصهرت فيها روح معانيها ورموزها الآخذة في الإيغال والتنوع . بدا لي مزدحما ،مشتبكا برشاقة حركة يد ملتفة من حول ذياك الأزميل  يحفر عند جهة من مجسمه الطاعن في بنية اللون . سكون صوفي غص فيه الفضاء الآهل بسكرة الفن؛ لا يجرؤ على خـدشه سوى إيقاع أزميله وهو يقطف من لحمة الشكل ويسوي التفاصيل . لحظة انتبه لتواجدي كان كمن استفاق من حلم غشيه وظل مسافرا فيه بكل كيانه.

   – مرحبا قال ..وقبل أن أنبس، ساق يسأل : – أأنت من هواة هذا الفن؟..أم…تود..طلب حاجة؟

   – لا..لا..أنا أدخل لأول مرة ورشة حقيقية لنحاة.

   – جيد . وكيف بدت لك؟ وقد أخذ خرقـة قريـبة منه وانخرط يمسح يديه من مادة الطين .

تشجعت ، استفسرته : -هل المعنى في شكل المنحوتة أم ما تقبض عليه بحريــة العين؟

راح يرد وسبابته في حراك وتأييد ،أو كما تصورت :

  – إن شئت فهما معا . ثم دنا يسوق : تـبدو  قريبا من عالم الفن.

  – في الحقيقة أنا من هواة الأدب ، ونادرا ما أكتب شيئا ذا بال. 

  – أنت إذن كاتب. ثم ما لبث أن تبسم في زغب لحيته وقـد ترك شعر رأسه معقوفا يـتدلى عند

 قفاه على شاكلة ذيل حصان* ، حيث راح بسحنة أليفة يسوق :

  – أعتقد أن الكاتب أيضا خزاف.ثم..كأنما به انخطاف .. دخل في نوبة هوس ألقت به في فلك حالته الجوهرية …وتلك يد منه تملكتها رجفة ،عمد يغـرسها من جديد ليقطع لحمة المادة المتموضعة فوق طاولة معدنية شابها قدم  إذ انخرط يكورها ويجانسها في تلك الجهة التي غارت منها بقعة تحت وقع أزميله ، وهو يتـمتم في شرود :

  – الطين ..الطين ..الطين !  

..انقطع الخيط.

 بدوت وأنا أتحفز موطئ قدمي بين هذه الساحة الشبيهة بكوكب زعفراني اللون، قد شابته تربة ملساء عند أطراف نتوءاته. تقدمت متهيبا ، إذ اصطفت الأشياء أمامي ترشق الساحة بأصناف أوانيها المتراصفة في أحجام وعناق ألوان. عبرت إليها ..لمحتها مقرفصة تفترش حصيرة حلفاء. كنت أقطع مسافة ما بين مدخل الساحة ووسطها بـتـحـفز  تـام، كي لا أتعثر في مجسماتها وكأنني أتهيب حرمة مسرح تاريخ. لم يكن لها ما يهتك عليها شبه خلوتها غير الـذي بين يديها ، لا ولا تنبهت حتى لحضوري…  

  أسعد الناس هم الذين تآلـفوا مع الكـد واستراحوا. وحدهم من تفانوا فاستراحوا في طعم البذل راحة أسبغت عليهم نعمة الضمير المطمئن.

    جلت بالعين أعاين المكان ..انزرعت  شقيقتاها بزاوية من ذلك الفضاء الطلق.اتخذت كلتاهما ركـنا واستغرقتا في دأب حراك . تدسان أحلاما صغيرة بين صلابة معدن وماء شحيح وشظف عيش..بعيدا عن مغريات مدينة عالقة في زيفها ، طيشها وغبشها الداهس ؛ لا تلقي بالا للـذين قطنوا بأطراف الحياة.   استدارت بيدين  لوحتهما شـموس جـّراء رفسهما للطين كي تلين. وتلـك دورة الكائن هذا الذي من صلصال كالفخار ، تشرئب الرأس  منه للشمس والديمة السكوب…في نشوة من خلق ؛ يلتفتُ للجبل فيقطع من صـخره مادة صلبة ، فيطحنها فتصير قابلة للعـجن. ينصرف للأودية والأنهار والهضاب ، كي يـقطف  من الطين المدري ،فتلـعبُ شأوا أصابعه فيها بعجب وفراسة وإشباع خيال.. كيما تستوي الطين بعد شويها فـخارا وفـخرا.

  قالت واستدارت مرحبة بي :

– مرحبا بك سيدي، لعلها تغريك آنـية مما صنعتُ فتـشتـريها.  

    توسمتُ فيها طيبة المرأة الكادحة التي لوحت صروف الدنيا هيأة امرأة في الخـمسين .تبسمتُ رادا بالتحية مجيلا بالبصر أتـفرس أوانيها لحفظ الأغذية : تراصفت الطناجـر والدلات كأواني للطهي. فأما الطواجين قد تشاكلت وتـنوعت . في حين تعددت تلك التي هيأت لحفظ الماء، أين تجمعت  القلال والـجـحلات في حين تـمركز الـزيـر وسط تلـك الأصناف. تيقنتُ بأن ذوق المرأة عصري بعد أن لاحظت وجـود ما شكلت من زهريات وأصص زراعة ومجامر وأنواع لـلزينة.

  والفضول يلح علي ، رحتُ كـمن يستنـير :

 – كيف تخيرت سيدتي هذا المكان بالذات متخـذة إيـاه ورشة لك؟.. حـدقت فـيً .. ثم نكست رأسها برهة وراحت تجانـب فضولي :

     -أشعر كأن أشيائي لم تعجبك . ثم سبقتني إلى كوخ من الطوب * الـذي يقع بركن من الساحة وهي تشير :

    – بهذا الكوخ أجمع كل الأواني المشوية لعل بها ما تبحثُ عنه. لحـظـتـئـذ أشفقتُ على نفسي من تجردي الـذهني من حقيقة أصل القضية وما فيها. كـان أجدى بي أن أقول : –  يا امرأة فذة من معدن تأصل عرقه الطيب..قشبتِ مسيرك بما شـحّ منا ونضب . قابلت خذلان الدنيا برعشة البدء فيض امتلاك ؛ إذ جابهت الدوائر المغلقة برفـعة عن سفاسف حـين جرى فيك دم الحرة ذات النسب الأسيل. أنت من يعيدني  لروعة البدء فيَ  فأرتمي مجددا وبعـد ماذا…في بهـو خلق ورواق استثناءات لا تـتـكرر. أنت قصة عشق أبدي لا يفضي بي سوى لعمر تمدد في كفيك خطوطا توصلني بآلاف السنين . كيف أمسكت بـسهم حـضارة هـارب بين صخب الدنيا وإيوانك الضائع  فيها هنا  ؟

 يـا للجلال المقيم في كنه البساطة الجوهر!..

    تهـيأ لي لحظتها أن الفضاء على بساطته وحرص المقيمات عليه –كـدّا وتفانيا- كأنما هو معبد تحرسه هالة قداسة. إنك لا تعرف حقيقة معادن الناس وانتماءاتهم الحاسمة لما ظل نابتا فيهم، ما

لم تلـتق بهم وجها لوجه.

   تفرستُ ،ذهلتُ لجمال منجـزاتهن المنمقة بلونها الأحمر والأبيض والبرتـقالي…زخارف عتيقة بأياد شقيقتيها وبأشكال رصـّعها الزمن بين أصابع نسوة ،هكـذا تستنطق ذاكرة سحيقة ، تمددت على رقعة من غبار عصور تفتأ تطل بعيونها تطريزا لحاضر غارق في مآسيه..

  قلـت :-سأشتري منك هذا الأصيص الزهري وهذا الطاجين القرمزي، لكن قبل ذلك خـبّريـني لم اخـترت هذا المكان بالذات المرمي بأطراف المدينة ؟

  بوجه متغضن آثرت صمتا ثقيلا مقطبة جبينها ،وقـد غزاها شرود هزها لأزمنة أخرى…النسوة ذاكرة جريحة مكابرة .خزان وجع لا يضيق بأيام المآسي. هـنــ… .ـــاك..تختبئ أطوار إخفاقاتهن .. بؤسهن وأعلام منكسة لـلآمال وفرح لم يعد يـجئ.

انفرجت شفتاها بصوت متهدج : – بهذا المكان ، وبدم بارد أقدمت عساكر فرنسا بإطلاق وابـــــل رصاص على والديّ ، فارتوت هذه الساحة بدمهما الزكي.

 ————————-

هوامش : 
 البياضة      : حي  قديم  سكنه الجزائريون مصنوع بالتراب والقش.
 ذيـل حصان:  مودة تسريحة شعـر يتقلدها بعض الفنانين.
كوخ الطوب : مشكل من لبنات الطين والقش يعود للحقبة الاستـدمارية.
 

كان وسيما جدا 

رندة مكاوي – الجزائر

 

كان وسيما جدا لما انزو ى في ركنه المعتاد يدخن سجائره، ويتامل سقف البيت الذي تركت الرطوبة أثرها عليه خطوطا داكنة تبلور أفكاره . بكى ، لم يتذكر غربته ولا سنين الوجع والإحباط ولا صورتها التي حلم انها دليله فقد أيقن أن عالم الخربشة الذي آمن به منذ عمر ،صار مجرد إشارات منزوية اضرب هذه الأمسية عن الكتابة ،كما اضرب منذ مدة ،عن مهاتفةهؤلاء الذين يكتفون برسم الابتسامات الهاربة من لظى الصدق ،ويفرون تاركين اياه في قوقعة التشتت. وكمن سار مشوارابعددسنين عمره ولما توقف ليتنفس قليلا اختنق من هول الفاجعة ،أضاف إضرابا آخر إلى اضراباته السابقة ،وامتنع عن سماع ام كلثوم وطلق بالثلاث هذه الضفادع التي قيل إنها هوجة الفن . استسلم بلذة إلى اللامبالاة،هربا من الروتين، اتراه حقا سيبتعد؟ عند كل خط من خطوط الرطوبة يذكره بزمن الوصل .. هو ماكان رومانسيا هو فقطآمنبها لما عاهدته،ذات زيف ،انها ستمتص عذابه. وافاق من لذتهالمخدرة على رنين صوتها -حبيبي انت، انت بحاجة إلى الوحدة لتقرر. .. لتنسى. ترجاها أن تتحد دمعتها بدمعته ، فزجرته -الرجال لا يبكون ولما وعى سذاجته حد التلاشي صرخ -ولكنهم بحاجة إلى لمسة صدق .لمسة حنان هو يعترف بينه وبين نفسه بأنها كانت محقة في صفعتها له -الواقع مر ،عليك أن تعي ولما وعىوجد ذاته يرقب خطوط الرطوبةويغيب في دهاليز عمقه ليقررانه لن يتراجع عن إضرابه يكتفي بقراءة الرسائل فيحس انه لم يقرأ شيئا وليؤكد لنفسه انه فعلا يقرأ رسائلهم،يعيد كشف النقاب عن إحداها *عزيزي جهاد ،لقد قرأت عمودك الاسبوعي كالمعتاد،في جريدة الموقف، واعجبتني صورتك كثيرا . سأطلبها منك، انك وسيم جدا . لم يندهش،منذ بدأالكتابة ما وصلته رسالة جدية ،كل السطور كانت اطراء. وكان يؤمن برأيه: *سأجد عقولا تناقش،تسانداوتعارض . لكنه يفيق على صدمةاخرى، صار مثل المطربين واشباههم له مجانينه يتذكر ضحكة صديقه سليم المميزة،حينما يسخر من الواقع،فيضحك على ايقاعها : -هاها ها ها وفي داخله تتبعثر الأشياء ، تنتحر الأحلام

لو بقي سليم هنا ولم يهاجر إلى الخارج ليتنفس بكلتا رئتيه،لاعاد عليه قوله :-نحن الحمقى يا صديقي ،أغبياء زمننا . فليعلن عن تفاهتهم، سيتفقون على عدم قراءة عوششته في عموده ذاك ،ستحتفظ الفتيات -العاطفيات جدا -بصورته ،وليلا-حين يغيب كل رقيب -يحلقن. مع تقاسيم وجهه الى عالم الحلم فليعلن انه خاب اعتقاده، لم يعد ذكيا كما آمن . : -كولومبو .. الحرف انا ،هاها ها ها وكلماته؟ ستتبخر دون …… اذن مالعمل؟ -سأقرر السكوت حتى أجل غير مسمى . وهل كانت اضراباتي شيئا إيجابيا ؟ يهم بإشعال سيجارته العاشرة يتردد يتجه إلى كومة الرسائل،ينوي حرقها يتراجع يرتبها ضاحكا . غدا ،إذا كان في عمره غد لن يبكي ،يكفيه انتحابه السابق ،سيشرع في إدراج رسايل قرائه في عموده ذاك ،وهو يعلم جيدا بعدها ، انه سيكون مشهورا ، قلما مبدعا …

 

  

حَضَرَ جَنَازَتَهُ كَلْبُهُ فقط..قصّة قصيرة

سعيــــــــد موفقـي / الجزائر

                                                

عندما غادرنا المدرسة وتركنا المقاعد، كان حديثه دوما عن النضال والتضحيّة والأكل والشرب وحضور الولائم المتخمة والعلاقات، يحدّثني دوما عن أنواع الكراسي الوضيعة والفاخرة، بالكاد هي أفضل من هذه الكراسي، بينما الكرسيّ الذي يبحث عنه شكله مختلف، ظننته يمزح فقط…؟ قال لي وكلّه سعادة وفرح كالمستيقظ وأوراق كرّاسه لا تخلو من رسومات مختلف لكرسيّه المفضل، كان يتمتّع كثيرا برسمه وحديثه عن هذا الكرسيّ الذي لا أعرفه، استطرد: قبل أيّام دُعيت لحضور وليمة أقامها أحد أعيان المدينة على شرف ضيف كبير تعرّفت عليه، حاولت أن أقترب منه، يومها ذبحت شياه كثيرة ملئت بها جفنات المتطوعين والمتطوّعات لحما (العظم على حالو)…وكتبت عن هذه الوليمة مقالات في الحكمة والنّجاح والتفوّق و” القفازة والوقاحة والقباحة وغسل الوجوه ببول الكلاب مع التجديد في كلّ مرّة)، لم أفهم الأمر في الأول، لكنّ حديثه عن هذا الحضور المتكرّر ساعدني على فهم قصده، ثم أردف قائلا: علّمني هذا الحضور بأنّي كنت غبيّا ومتخلّفا ومتأخّرا عن هذا الانخراط، لقد فاتني خير كثير… لذا فهمت لماذا كان يكثر الحديث عن الحزب والنضال والدّفاع عن حقوق الملكيّة والعدالة الاجتماعيّة وحاجة الزواليّة إلى رجال مثله، يضيف: سأقوم بما لم يستطعه من سبقني إلى هذه الولائم الخاصّة، وسأكثر من غسل وجهي ببول الكلاب والحمير أيضا،…وها هو الآن فعلا، يتصدّر الولائم ويحقّق حلمه الذي طالما انتظره في الواقع مذ كان يجلس بجانبي أيّام المدرسة، ها هو يركب سيارته الفاخرة ويراقب عمّاله من شدّة الخوف وحبّ مهنته.

ذات ليلة همس إليه أحدهم أنّ مشروعا عظيما سيجني من ورائه ما لم يجمعه منذ انخراطه في لعبة الولائم، تذكّر بأنّ في بول الكلاب فوائد جمّة. تمّت الصّفقة والمشروع لا يزال قيد الوثائق، اتّصل به، سأله : ما مصير مشروعنا؟.. قال له بلهجة المتهكّم : (راك من نيتك تحوّس على مشروع اتفيّد منو دراهم كبيرة للمدينة؟) أنصحك بطيّ الملف، وسأحيلك إلى شخص صاحب حرفة ستنال من مشروعه المال الكثير، ودعك من الأوّل، ما جنيته منه فيه بركة ولو قليلا يا سي ملهوف (البركة في القليل)…

انتهت العهدة ..استلم المشاريع ولا يعلم كم في رصيده من ثيران وبغال وغزلان وبقر الوحش…يكتفي دوما بالبحث عن المشاريع وبول الكلاب، هاجسه الوحيد ، في آخر أيام عطلته بينما كان ينظّف سيارته الفاخرة، لفت انتباهه لفائف من أوراق ارتوت زيا وهريسة وبقايا خبز وبطاطس مقلية، كان يأكلها على عجل في غدّوّه ورواحه بين المشروع والمشروع، ورائحة الأحذيّة والجوارب المكوّمة تحت مقاعد السيّارة، يومها رنّ هاتفه: أحدهم متنكّرا عن غير عمد: هل أنت سي ملهوف؟

نعم أنا هو…شعر بسعادة عميقة، شرد ذهنه: ترى كم تكون الصّفقة هذه المرّة…ألو ألو ألو، نعم نعم أنا معك، المعذرة على الانقطاع: كم هذه المرّة…؟ قاطعه: أنت مطلوب إلى العدالة غدا صباحا مصحوبا ببطاقة هويتك…يومها حضر جنازته كلبه فقط…

 

 

السقــــــــــــــوط الأخير

سكينــــــــة مرباح -الجزائر

 

…. تملكتني قشعريرة اصطكت لها اسناني وازدادت هوة خوفي اتساعا ، منذ الأمس وهاجسا أرعنا يعربد

بجوانحي ، يثير في دهشة التساؤل ويراود أمني وهنائي …فآخر حماقاتك في حقي كانت أكبر من كل استعداداتي

واحتمالاتي ، ما اعتقدته قد يجيء اليوم الذي أراك فيه كافرا بكل الذي قررناه ولا هادما لكل ما بيناه ….

كنت أعرف أنك سريع الغضب و الثورة لكن حدود غضبك ما تجاوزت يوما غضب الأطفال ….كنت دوما أثيرك

كيما أراك طفلا صغيرا كثيرا ما يملأ دمع البراءة مقلتيه في طهر لكنه سرعان ما يكبر في هدوء ويعود أبهى مما

كان بقلب ينبض فقط للفرح للأمل والضياء…. لكن غضبك هذه المرة لم يكن ملكي وحدي ، لطالما حرصت على

رؤيتك في لحظات كهذه بمفردي لكني نسيت شباك صدري مفتوحا فسمعك آخرون غيري فلم يعد غضبك سري وحدي …. ولأنك تماديت أكثر في سخطك علي ، في عبثك بأسراري الجميلة وفي تمردك على آيات نبضي فتحت

لك كل الأبواب وأغريتك بالخروج عله الفضاء الخارجي يكون أوسع من صبري …..ومن صدري ….غضبك كان فوق الاحتمال …..

   احتضنوك بلهفة وأوهموك أن هجري سيشرع لك أبوابا أخرى غير التي أوصدتها في وجه ماضيك المشحون بخطايا كثيرة في حق عمر كامل رهنته لأجلك كي أراك يوما ما كبيرا قادرا على احتضاني بكل أوجاعي ولو

لمرة واحدة .

ومضيت دون اخباري بموعد رحيلك ، مضيت يملأ الطيش والغرور رأسك الصغير صوب أوهام أخرى لمع بريقها  

أمامك كسراب …..

وأنا مازلت هاهنا أنتظر دمعة ساحقة لتيهي ، أسترجع ذكراك يوم أغريتني بأغنية صيرت العمر نغمة وقصيدة

ولعنة الشعر تلاحقني وتوزع العمر فتاتا على مرافئ قوافيك في عمق ذاتي ، لعبت الورقة الأخيرة بجوزتك

وأنت تعلم أنها مخاطرة قد تفقدك كل ما تملكه وأنت لا تملك سوى قلبي الجريح والظامئ لحب أكبر من نغمة وقصيدة وحين الصحو وقعت على ناصية جرحي ” لك الآن أن ترحلي فلن تموت بدوني حتما سوف تحتضنك الأزقة الخالية بأرصفتها الباردة ، ستحنو عليك بإسراف كعادتها وستقاوم بردها بكل خلاياك يغمرك الدفء لحظة الغيبوبة وكلما مر طيفي بمخيلتك ستطارده بلهفة ليغدو سرابا ولتسقط من جديد وحيدا “

قد حذرتك كثيرا من الوحدة لكنك رحلت فلك الآن أن تضاجع متعة الألم في دهاليز سقوطك الأخير، لك أن تراجع

حساباتك كلها .

فقط تذكر جيدا أحاديثي عن الرصيف و الليل ، عن البرد ، عن الصقيع وعن شتاءات العمر المرسوم خارطة

لجيل قد لا يؤمن يوما بخرافات تمردي وبحلقات دخان سجائرك على الرصيف .

تذكر كيف كنت ترميني دوما حجر عثرة في طريق الآخرين كي أعلق بأحذيتهم أو أدمي أقدامهم ولأني كنت حجرا أملسا بدون ذنوب  تحوطني لم أعلق بأي حذاء فداستني كل الاقدام .

وبرغم كل محاولاتك بقيت كما أنا يعبقني الطهر ويجددني صدقي مع كل فجر جديد امرأة أخرى لاتهاب السقوط

وسأضل هاهنا أستمع إلى أنين جراحي الرافعة في كبرياء ، أرقب على ضوء شمعة العراف التي تضئ غرفتي دمعة أخيرة تطهر العين من بقايا طيفك .

 

  

 

                                         علــــــــى شفير الهاويـة

سعدي صبّاح -الجزائر

 

دقّت نواقيس الرّحيل تنعي زمن الدّرس والمذاكرة،شابت سنابل القمح والشّعير  ..انحنت مواكب النّعمان إجلالا لموت الرّبيع ،..الجوناءمالت عن فتورها.. تزرع خيوط الحرّعلى مدينة الجوابروتنذر بالرّحيل ..رحيلنا نحن كطلبة أرضعتنا المدينة جرعات الحنظل وتجرّعنابالإعدادية الحرة مرارة البرد والصّقيع ! ، وقد مرّ الزمن رتيبا ثقيلا، حتىّ أخر ليلةعايشت فيها أجواء الرّحيل ، .. ، ونهضت على صيّاح الدّيكة ..لويت الى الغرفة المتأكلة ،..جمعت دفاتري التي إرتوت من الرّطوبة! ولوازمي التي أتيت بها من الدّشرة حين هبّت نسمات الخريف ..ودّعت ما تبقى من الرّفاق ..ودّعت أستاذي.. قبّلته على الجبين قبلة تليق به ! واغرورق الدّمع في مقلتاي، وانحدرت مع البكور الى محطّة الحافلة ،تهزّني الأشواق إلى مرابع طفولتي …امتطيتها  ككل الرّائحين الى حنّاشة ، زأر محرّكها عنوة في البكور ، فانطلقت مخلّفة مدينة الرّتابة تخترق عرائس الحقول !،وأطلت شمس مشرقة على حافلةمعجّة تدب صوب الشمال ،  جمّت غبطتي فرحت أتصيّد أسراب الشّحارير والزّرازير التي توشّح مناكب المروج ….عصافير الزّرع تتعانق في الفضاء الّرحب نشوانةبالرّحيل !..وهناك يقابلني من وراء البلور” سد بن يحي” يتهاوى في لجّة السّراب بشموخ النّخيل !الحبيل بشساعته يدنو وئيدا..وقد غصّ بقبيلة “أولاد أمبارك”   ، ورحت في النّجوى هناك من داخل الحافلة أحلم بذكر الحصّادين ..ونكهة البيادر حين تأوي أجمل العصافير ! ..إلى أن طلقت الحافلة صرختها الفاترة في أخر محطّة لي وكنت في دشرتي ببساطتها …بأفراحها واحزانهايسبقني الحنين ! ، هرعوا أترابي تسبقهم فرحتهم بقدومي بأخر ليلة في الرّبيع ..ومشيت منتشيا بما يفضي الفراش إلى الزّهور .،  ينعشني ما تبقى من شذى ، يؤلمني في نفس الحال موت الخبيز والنّواوير البريّة على شفير الترعة ! ..رحب بي كلبنا من وراء الزّريبة أجمل ترحيب ! خرجت أمي ودمع الفرح يخضّل هدبيها..  واكتمل في الحال عرس الرّحيل  ! ..عانقتني بشوق ..ينبوع الحنان …وراحت تماشيني الى دار النّوالة وكانت بها امرأة غريبة عنّا.. نزلت من زمن الأساطير..حيزية عادت من دار الخلود…أجزم أنّني لم أرها من قبل ..فاتنة الجمال ..جلستها بكبرياء على زربية مزركشة بألوان الربيع ! وكانت الى جانبها فتاة في عمر الزّهور..يمكن أن تكون زهرتها البكر ..لا أدري لماذا تذكرت السّاعة ماري الياس وولادة بنت المستكفي؟ ..ابتسمت الفاتنة في وجهي فتناثرت حبّات البرد !…شالها الأخضر ملحفتها الورديةالمطرزةمن نجيع الورود ،  أمي بادرت بقتل الأسئلة بداخلي : هذه لالة زليخة (المرابطة )جاءت من الشّرق.. حمامة بيضاء شرقية مهاجرة لها أجمل قصة وحكاية ..وسترى ما سيصدر من زليخة عندما يتهادى الظّلام يا ولدي ..أومأتلي بتقبيل يد زليخة المخضّبة بالحناء  والتبرّك بعطرها الأسطوري الذي أسكر دشرة بكاملها ! جلست الى جانبها أتأمل الشّامة الجاثمة على وجنتها كسنونوة على تلة من الثلج !… الشّامة التي كانت وراء تخدير أهل الدّشرة ! ناولتني أمي قهوة الشيح وعادت أسطوانتها لسرد الحكاية من جديد :إنها زليخة المرابطة تعرّفت على الشّيخ في القبّة الخضراء يوم أن سافر مع الركب أواخر أيّار.. تصيّدته أوتصيّدهامن بين الزوّار ! ..وهاهي لالة زليخة أصبحت من أهل الدّار، وقبل أن تعرّج على الفتاة أمرها الشّيخ حالا بأن تعدّ المخلاة للفرس ..وتحضر المعالف وتوقد الفوانيس بأرجاء البيت ، هرعت أمي لتنفيذ المرام وجلس هو الى جانب زليخة حد التّلاحم..يقتنص أريجهاليتلاشى ثلج الهيام الجاثم على صدره حد الوباء .. شاطرها الوسادةولا جناح عليه..دون خجل من ضرة غافلة..لا تعرف للغيرة معنى !…برقّته المفرطة راح يغالي في مجاملتها ويثني على وداعة الفتاة ! ..وزليخة تعرف كيف تتفاعل مع ما يصدر من الرّجالة بفطنة وذكاء ! ..كانت الجلسة حميمية يعيشان لحظاتها الشيخ ولالة زليخة !، أسراب الرذاذ بقوة وشّحت المكان ! السّخال تعزف مأمأتها.. والشّويهات الوديعة تمن بعطر الشّيح !..أمّي راحت لإعداد الثريد والجبن الغنمي ،وانفلق في حينه ذاك القمربغلالته الفضية التي ترسل النّور من خلف الربوة ! واستحالت الدّشرة لوحة لبيكاسو ! وقابلته لالة زليخة بطلعتها البهية التي لا تضاهيها الا طلعة القمر ! وفي الحال غصت البيت بأهل الدشرة.. نساء ..رجال ..وأطفال !كلهم أسارى محيّاها الجميل ، القهوة دارت الروائح الله ..الله !و بصوت رخيم همست لي همس السّنابل بعد زخات المطر ! ناولتني بأنامل غضة كأس الشّاي.. والشّاي خلفه حكاية ! وكانت الرّغبة في سرق البهجة من جبين اللجين !، وجاءت لحظات المتعة بفعل القمر ! زليخة الأن تحاول ،أن تجلسني جنبها لكنني أتوارى  خلف الجموع،خشيةأن أكون على حافة حجرها وأقع في الشّراك… ! كنت مسبلا بالزي العسكري أطلق الّرصاص على سحرها وسحر طفلتها، رغم أنّ الضّحايا على وشك التيه في مرافئ بحيرة الشمال،والتّحليق بسماء لالة زليخة التي لا تغضبها لغة العيون، ولايزعجها حديث الهوى  …بل تشجّع بطريقةما مداعبةالفتيات الجميلات والاحتفاء بصوّر الابتذال ..السّوء والفحشاء ،رائدة من الرّائدات في الغزل.. والغراميات عندهالا تفسد في الود قضية.. ! وأنا على حافة التيه بأمواجها المتلاطمة إنتشلني رجل من أهل الدّشرة.. وقد أخرج زرنة وأخر يرتدي شملة ببندير دفددق..دف ددق وبصوته البدوي :(هاني جيت هاني جيت جابتني غا النية    والعيطة لهل الخير السعدية  النايلية ) ! لحظتها أيقنت أن بيتنا الجميل كاد أن يتحوّل إلى وكر لممارسة طقوس الرذيلة ! ..وجلجل أحدهم : جابري..جابري..أه.أه ، وقامت زليخة صاحبة القد والقوام تمارس عادة الجنون ..وبشموخ النّخيل يسبقها عطرها ! و تضوّع يسكر الجموع،  وتعالت الزّغاريد مولولة من وراء الستار عربون وفاء للالة زليخة وابنتها لؤلؤة التي تسرق منها البريق ! وفي خاطر زليخة دوت رنّات البارود : دف ..دف ! ودون عار تسلل صاحب الدار ببرنسه يغشّيه دخان المباخر .. دنا منها واختفت يا للفضيحة تحت جناح البرنوس… !، كعصفورة بللها المطرأوقد راعتها طلقات البارود ! ،وكنت بالاكراه أتابع معنى الرّذيلة تنطلق من بيتنا ! والمرأة الماجنة التي تدعى مجازا مرابطة تمارس كفرها وجنونها و….ببيت أقدس من كل بيوت الدّشرة ! و تسمح لنفسها الأمارة أن تلج بجناحي غريب عنها، يختال بهذه الصورة المبتذلة أمام المئات من المقل ! …  يوجهها الى الحضرة تسقط في الحال ..تخرج من محراب الخطيئة ..تناولها إحدهن قارورة عطر ..ترتشفها بأكملها ! ..يقدّمون لها شعلة النّار المتأججة تلتهمها دون أذى ! ..تهوى على التراب وبراز الشّياه تلوي أناملها على الحصى.. تفتك منه حلوىتركية والرّمان في غير أوانه ! وهي تتخبّط وترتعش كالقطاة المذبوحة !..وكلّما تعبت ترمي بكتلتها الغضة على الحسير..فيدثّرها صاحب البرنس ويزمّلها !  فانبهرت ككل الحضور ورحت أبحث عن والدتي بين الحرائر، وحين لم أجدها.. جلست بهيكلي المتعب تحت العريشة.. وإزاء القربة أعلنت كفري ببيتنا التي هجرته ملائكة رب الورى ! وانتويت في النّجوى بداية الثّورة ، من أجل تحرير دشرتنا من ملامح الفسق و الشعوذة، ومحاربة الخرافات البالية حتى النّصر ! في لحظة من التأمل كنت أحدق إلى الفتاة التي ربما قد قرأت كبريائي إتجاه النّساء، بدءا من التعامل معها ببرودة ،وبدأت تحاول التقرّب مني و أنا أفتعل التواري الى أن صاح رجل بأعلى صوته :  لازم يا لخوان المرابطة الصغيرة تعطينا رقصة …تمهسيسة ! خلتها تهرب الى دار النّوالة ، لكنها لم تمانع ودخلت تتمايل في الرّحبة كغصن البان ! كم تعذّبني وهي تبرز مفاتنها ..تختال في رقصتها برشاقة ورثتها من أمّها السّاحرة.. المحرّضة على الفسق ! تأملتها مذهولاوهي تدنو على مهل وحين غافلتني الشّاردة  ، أمسكتني من يدي  !يا للعار  بدعة لم  أتصوّرها  حتى في المنام أن تمسكني من يدي لؤلؤة  !غريب فعل السّباحةفي يمّها المتلاطم الأمواج ! أسكرني عطرها فرحت دون إرادة أعربد حولها ! ولؤلؤة تعلّمني الرّقص …الحرفة التي كنت أمقتهاوانتويت قبل حين قلعها من الجذور،لكن بعساكرمفاتنها أفلحت الرّشيقة وزرعت بداخلي عادة الحضور الى الحضرة وعشق المباخر والحلوى المعفرة بالتراب.. ولعبة الخنجر وأكل الناروالجاوي ! ..رمت أعراف القبيلة من أجلها ، وبجنبها شعرت بزمن الطّهور..زمن سنين خلت   ! وسجّلت بتلافيف دماغي كواليس هذه الليلة المقمرة التي إستطاع فيها الشّيطان أن يرميني و بكل جوارحي على شفير الهاوية  .

 

رجل لا يعرف ..

عبد الوهاب تمهاشت -الجزائر

لا أعتقد أن من أنجبني كان ينتظر مني شيئا ؟ هكذا أمضي أسفل الأشياء ’ التي تثبت هويتي ووجودي ’ خطوط متشابكة و متداخلة تعني أنا ’ أمضيت هنا ’ انا موافق .. أبحث طولا وعرضا ’ أقلب شهادة الميلاد ’ وهي أول أوراقي ’ فلا اجد اثرا لهذا الذي يعني انا .. انا موافق ’ كان بامكاني لو كنت مخيرا ان اصرخ .. لا .. لا كانت هذه اولى اوراقي المزيفة و المقبولة ’ بعدها فهمت لماذا كل اشياء الحياة بين نعم و لا … انجبني ليستمر من خلالي ’ لاحمل اسمه وارثه ’ رجل من بعده ’ يصرخ ’ يضرب ’ يامر ’ يغير النساء .. كان هذا كافيا لان يحيطني بذراعين قويين و يمنع عني كل مكروه ’ كنت معجزته الصغيرة التي يتفنن في تدليلها فيخضع لرغباتي الصبيانية متلهفا لخطواتي الاولى لياخذني معه الى الدكان , صار رجلا ’ انظروا ’ ثم يوزع الحلوى و / القازوز/ على الجميع ..

كم كان مصدقا لهذه الحكاية ’ مات قبل ان يعرف بانه لا يستمر من خلالي ’ و اكثر من هذا لا اساوي شيئا … كنت انمو ككل الاشياء المركبة و المعقدة التي يصعب تفسيرها ’ في انتظار ان اتحول الى شيء اخر يعفيني من السائد و المكرر … من الصعب ان تكون انسانا في زمن اللا نبي و العودة الى مستوى العري الاول انا .. انا النصف الاخر ؟ لا اعتقد انني انتمي الى جهة معينة ’ كل الجهات ممنوعة ’ اعرف وقد جربت ’ انا لست مع احد ’ و لا ضد اخر ’ و ليست لي قضية ’ الانتماء و لاء ’ و انا بمزاجي الصعب و المتقلب لا استطيع ان اكون وفيا لاحد .. كل الخطابات غامضة و تافهة ’ و المنصات عالية ’ فلا تروني و لا ارى احدا .. انا رجل كسائر الحيونات ’ لا علاقة لي بالمستقبل ’ امضغ لقمة ’ افرغها في اي مكان بعيد عن قنواتكم حتى لا تختلط الاشياء .. قامتي و اشيائي الخلقية لا يسمحان لي بان اكون انيقا ’ ولو بشكل وحجم مقبولين يعفياني من الاحساس بعقدة النقص التي تقلص مساحة تحركي ’ كل محاولات تغيير مقاسات البدل المختلفة لا تليق بي ’ مقاسي مستحيل .. قلت لكم لن تلبسني التهمة ’ وانا مهيا لان اخرج الى الشارع عاريا من كل شيء .. الحقيقة الوحيدة هي انا .. متى و ماذا اريد ؟ لا شيء يستحق الا نجرب ’ والعكس مستحيل .. اعتقد انني ارغب في الاختفاء . وجه المدينة تغير ولم يعد كما كان عليه ’ التاتار الجدد اكثر استعدادا من سابقيهم لاحتلال الامكنة وملء الفراغات بقسوة ’ لا تسمح للاخرين بالبقاء ’ فهم لا يرفضون الاشياء ويؤجرون نساءهم لامثالي ’ ففقي شوارعها اضيع دائما بغلطة او وراء امراة .. غرفتي بجدرانها الاربعة ’ تاويني وتعفيني من رؤية تفاصيل المشاهد اليومية التافهة ’ وقراءة اعلانات غير مفهومة وجرائد تحمل أخبارا وأسئلة دموية عن فضائح أناس الزمن المركب ..

خلعت بدلتي الرمادية ’ دون أن أعلقها او ارتدي شيئا كالعادة’ تمددت على السرير ’ قبالة صورة امراة في كامل عريها وفي وضع مثير يتغير حسب رغبتي ’ فهي الوحيدة التي لا ترفض لي طلبا و بدون مقابل و لا تسالني انت مع من ؟ اخذت علاقتنا شكل العلاقة الغريبة و المستحيلة ’ من يصدق ؟ قائمة مجانين المدينة مفتوحة ’ و كل شيء مرشح للجنون و الانتحار ’ يبدا بقطرة ثم يفيض علقتها في البداية لاحرك رغبة العري عند امراة اخرى دعوتها لزيارتي ’ او كانت تحملني الدعوة ’ لم تسالني و انا استقبلها عن اشيائي المبعثرة و قدرتي على البقاء وسط هذه الفوضى ’ باقي التفاصيل لم تكن تهمها لكثرة ما حدثتها عن غرفتي ’ فقد قرات الكثير من اوراقي وحفظت بعض اشيائي ’ تعتبر علاقتنا ورطة باعتبارها اقصر الطرق الى جهنم .. غير ان صورة الحائط بحجمها وشكلها المثيرين ’ دفعتها لان تسالني عن سر وجودها ’ غير اني تجاهلت السؤال مفتعلا حديثا اخر ..

ـ لم هذه الصورة بالذات ؟

ـ انها حقيقتنا .. انا ’ انت ’ و الاخرين ..

ـ هاها ها ها

ـ لماذا تضحكين ؟

ـ انت نبي العري ..

ـ ناتي عراة ونعود عراة ’ لم لا نبقى ما بينهما كذلك ؟ مادامت حقيقة الانسان في نفسه و ليست في جسده ..

ـ اجدك اليوم غريبا ؟

ـ اجدك جميلة ’ فاتنة ’ ورائعة عندما اقتربت منها مساقة تسمح لي باحتوائها وتقبيلها ’ امتدت يدي ثعبانا الى ثديها الايمن منتشيا في حدود الثواني ’ خرجت هاربة غير مصدقة ما اكتشقته من خراب ودمار داخليين .. ـ انت ’ لا تشبه شيئا ’ هكذا قالت ’ ثم صفقت الباب خلفها ’

ـ وانت كالاخريات ’ لادين لكن .. لم تسمعن او لم تفهمن ’

المهم انها لن تعود لا اصدق انه يجب ان ابدا يوما اخر .. استيقظت مفجوعا على وقع خطوات سريعة كالغضب ’ تلاحقها خطوات اخرى اكثر سرعة وقوة ’ من قال بان المدينة تنام ’ لم اكن خائفا ’ ما دمت اخضع لرعب الاخرين ’ أخطو خارج المساحات المشتعلة ’ ادفع ثمن بقائي ببساطة معتذرا عن وجودي .. لن اخسر شيئا ’ قد يحسدني البعض ان مت ’ فتكون ميزة ومفاجاة في مدينة لا شيء فيها يثير حنين العودة .

من طابق لاخر ’ يزداد وقع الأحذية قوة وتأكيدا للحظة القبض ونهاية مشهد قابل للتضخم في مساحة ضيقة ومحاصرة ’ لا أكاد أصدق فظاعة المشهد الخارجي ’ عمارة بطوابقها الاربعة متهمة ومشبوهة ’ لا احد يعرف لا احد يفهم ’ و تفاصيل الصباح لن تضيف غير أسئلة جديدة توسع دائرة الشك والذهول .. أتذكر أنها كانت تجربة جماعية للموت ’ كنت مذعورا في مداي ’ وصورة واضحة عن موكب جنائزي ضخم ’ لم أعد أعرف أحدا من المشيعين ’ غير أنني كنت الميت .. كم كانت قائمة ذنوبي طويلة ’ اكتشفت أنني لم أفعل خيرا أبدا .. قضيت الليلة كلها مسكونا بكل الأحاسيس التي تفرغني من وجودي ’ كانت الأسئلة من النوع الراقي ’ بدون علامات الاستفهام ’ لها اي شكل و اي معنى .. كل الاسئلة في الصباح كانت تتحرك باتجاه واحد وبشيء من التفاصيل والاثارة ’ عدد الجرحى و الموتى يفوق بكثير ما قالته الصحف ’ هكذا قال الاول ’ لم يمت ولم يجرح احد ’ هكذا قال الثاني ’ بل كان بلاغا كاذبا ’ هكذا قال الثالث ’ لم أؤكد ولم أنف ’ لابد أنهم يعرفون أنه من حقي أن أخاف عندما يفقد العقل وظيفته ..

كم مرة أرفع سماعة الهاتف ’ أدير رقمها ’ ثم ماذا ؟ لأنتظر ألى المساء ’ شيء ما عجزت عن تفسيره يؤكد لي اأنها تحاول أن تلعب هي الأخرى ورقتها فلا تتصل . ـ ألو .. ألو..

ـ أنت لم أكن أنتظر مكالمتك

ـ هل بهذه السرعة تغير النساء الرجال ؟

ـ ظنونك كثيرة ..

ـ كان من الواجب أن أتصل بك لأسال عنك وأعرف حقيقة ما حصل في حيكم البارحة بعد ذهابي ؟

-إن كان عن هذا فأنا لا أعرف ..

ـ كيف لا تعرف ؟

-كل الصحف الصباحية تحدثت عن الحدث وتقول لا أعرف .. ألم تكن موجودا ؟

بلى كنت موجودا .. وصلت متأخرا...

 

 

 

إســـــــــــــــــم الطفلة ” صَـدَكَـه”

الهام بورابة -الجزائر

لا يخلدون إلى النّوم ، وأمّهاتهم لا يسألن عنهم . يقبعن في السّوق الدّاخلي كأنّه طريق مَلَكيّ.

في هذا الوقت  من الصّباح تعج السّوق بالبضائع ، والنّاس -فقراء وأغنياء- يتبضّعون.

الكلّ لديهم جيوب.وسيسيح جيب ما بنقود في يدي .

تقول إحداهن بما أفهمه تأويلا. والأخرى تتناول من صندوق، حبّة موز دون أن ينتبه إليها التاجر. والأخريات يرصدن بأعينهن أقمشة ليصبن منها كساء أو يصبنها بحريق ،كما صار يتحدّث به التّجار.فقد شاع في السّوق تناولهنّ السّحر الأسود ممّا جعل الزّكاة واجبة بينهم ليحفظوا تجارتهم من شرّ السّحر أو من شرّ العين.

في هذا الوقت ، في ساحة المحطّة ، تكون الحركة مضطربة ويكثر لصوص القطار من جلدنا والشّحاذون من أهالينا ، الأوّلون في هيئة إدارية نظيفة ، والآخرون في أسمال وسخة ، بأجساد الفقر مثل أوراق الخريف اليابسة .ثمّ يتخلّل هذا البين “هم”.

هم، أطفال أفارقة  ببشرة برونزية ، وعضلات نحيفة  وعظام ناتئة . لا يخلدون إلى النّوم . كانوا قد أمضوا اللّيل في المحطّة يسامرون المسافرين ليجمعوا في الدّفء “صَدَكة”، هكذا ينادي الصّغار الماليون لطلب المال : “صدكــــــــــــة …صَدَكـــــة” ويعنون “صدقة”.

وجاء الصّباح…

تعود الطّفلة المالية إلى حيث النّسوة في السّوق ، وفي يدها أوراق نقدية خضراء ، تراها والدتها ، تهلّل . الأوراق الخضراء من فئة ألفي دينار جزائري ، ياله من مبلغ مهم.صاروا يعرفون قيمة دنانيرنا.

لا تسأل الأمّ منهن عن مصدر المبلغ ، تدسّه في صدرها كما تفعل نسوتنا ، ولا تخلد الطّفلة منهن إلى النّوم ولا الطّفل .

الأطفال يعودون من الحمّامات.

وكنّا لا نفهم.

ولا نعلم إن كانت أمهاتهم يفهمن.

في النّهار يطوفون  بين السّيّارات وأيديهم تنافس أيدي نسوة من سوريا ، بعضهم يخطف من السّوريّات ما قبضنه ثمنا لورق المناديل يتجوّلن به بين السّيّارت. فهل يفرق لاجئ عن لاجئ؟

وكنت قد ألفت طفلة من مالي ، تتجوّل بين السّيّارات في الحيّ الذي أقطنه . لاتشبع أبدا ، تحصّل مني فقط كلّ شهر ألف دينار وكذلك من بعض الجارات ، وإذا سألتنا طعاما فإنّها تسألنا بيتزا أو دجاجا محمّرا مع العصير . وكنّا إذا كسوناها من ملابس بناتنا تردّها وتلتزم بثوبها الواحد، جلباب وخمار طويل عريض لا يغطّي فتنة . فالفقر والأوساخ قبح  ينفّر حتّى مَن في نفسه مرض أو هكذا كنّا نستقرأ مظهرا جديدا على مجتمعنا. ومرّة ، دعتها جارتي للإغتسال في بيتها ، فاندهشنا .ليست منّا من كانت تسمح بهذا خوف الأوبئة وانتقال عدوى ، لكنّها  فعلت  متحدّيّة بدافع الإنسانية  لتفاجَأ برفضها .  لم تشأ الطّفلة أن تستحمّ ،ولا أن تغيّر بملابس أخرى نظيفة ، مبرّرة بمسكها الذي يعطّرها ويحفظ جسمها من أيّ مكروه. هنا أقنعتنا بثقافة  قلنا عنها قد تكون من عهد الفراعنة لما لهم شأن بالتحنيط .وصار الأطفال من أبنائنا يلامسنها  ويداعبها الكبار حتّى أنّ جارة واسعة الإدراك علّقت ” قد يكون المكروه ما يفعله المرضى بالبنات” وهاهنّ يتجوّلن بلا خوف وسط الرّجال المرضى.  وكذلك الذّكور منهم، تبادر إلى فكري. ثمّ تساءلت عن الذّين يبيتون في الحمّامات مادموا لا يغتسلون. ألمأوى هم هناك؟.

يوم أغلقت البلديّة حمّام السّوق ، تناقلت أوراق الصّحافة بما يمسّ الحياء يحدث لذكور الأفارقة ، وصار خوف النّسوة من الرّجال أكثر من خوفهن من الإفريقيات ،فيا للهلع ، قد تفرّخ بالبلاد أوبئة عقابا من الله ، هنا نادى الأئمّة في المساجد بالتقوى والطّهارة  والتحصّن وصارت النساء تراقب الرجال وتمنعهم الحمّامات العامّة.

لم ننشغل بأخبار حمّام السّوق عن الطّفلة المالية ، كنّا مازلنا نعيلها ونمدّها بما تأخذه لجماعتها التي سكنت حديقة الحيّ وجعلت منها مخيّما سقفه السّماء وأرضه مزبلة ،فأيّ كلام يحقّ لنا تُجاه لاجئ فرّ من ويلات الحرب ، وهذه الأيّام دول ، فهل نتعاطف أو نأخذ دورنا في الحضارة ؟ كبير جدّا علينا التفكير في الأمر . فنحن شعب ننتمي لأمّة لم تطمئنّ بعد إلى خلاصها. لكنّ الطّفلة بعد أشهر صارت ممتلئة ، تهامسنا هل تراه جسمها اكتسى لحما وشحما أم ؟ الأحتمال الذي أغفلناه ، بعد شهرين فقط تأكّد وإذا بالطّفلة نراها ممتدّة البطن إلى الأمام حتّى كادت ساقاها الضّعيفتان تتقوسّان وتنكسران من ارتمائه بثقله عليهما.صاحت القابلة التي تسكن الدّور الأرضي: ياويلي ، كيف لم ألاحظ  الأمارات؟وهمّت أن تطردها حين حضرت بعد غياب تسألنا دواء للسّعال . لكنّني استوقفتها سائلة عن الفاعل ، فهي طفلة ، ولابدّ أنّها اغتصبت. لم تجب كأنّها لا تعرف من يكون . فيا للإحباط. أكاد أجنّ وكادت القابلة أيضا ، فهناك تـداوُل على الطّفلة المسكينة ، فهل نسكت؟ طفلة لاجئة في أزمة ساسية ثمّ ها هي في أزمة  أخلاقية ، فهل تعي والدتها بالأمر؟  تعالي ننتقل إلى مخيّمهن لنعرف .اقترحت القابلة . فوافقتها ، وها سريعا كنّا هناك  ولم يسبق لنا  أن زرنا تلك الزريبة ، كما اختار بعض الجاهلين تسمية مخيّمهن الطّلق ، ويا لهول ما صادفنا . عند المدخل ، لم نهتم بالمزبلة ولا بالرّوائح الكريهة ، بل بعدد الطّفلات اللّائي تحضن  بعض منهن رضّعا وبعضهن بطونا  منتفخة تنتظر التفريخ . مجتمع دخل المدينة بلا رجال ، فمن أين كلّ هذا الوباء. امتدّت خطواتنا إلى أعمق ما يمكن على صراخ طفلة  ، نتقدّم في دهشتنا لنحضر ولادة أنثى أخرى  لاتدري ما ستأتي به عليها أنوثتها . عند سلامة الأم  وتقميط المولودة ، استلمتها بابتسام وردّت على سائلة منهن : ” صدكـــــــــــــــة” ففهمنا أنّه الإسم الذي اختارته لمولودتها. فهل هي واعية أفضل من التاريخ بقضيّتها؟ أم أنّ صدكة إشارة لسبب إقبال أنثى أخرى على خراب الأخلاق قبل خراب البلاد؟

التفتت القابلة إلى طفلتنا التي دلّتنا على حديقتهن ، أفهمتها بألّا تعود إلى بنايتنا ،وانصرفتْ وأنا أتبعها بأسئلة تافهة  ، ردّها القاطع بأنّ النسوة من مالي عليهن المسؤولية الكاملة  أفهمني ذلك ، فهل هو استدراج منهن للإندماج ؟ تراه السّحر الأسود الذي يُتَحدّث به في الأسواق؟ لكن ، لماذا لاتنظّم حملة لحشدهن في الملاجئ المعدّة لهنّ في قالمة  كما تفعل المطاردات الليلية بالمتشرّدين من أهل الوطن؟

 

متاهــــــــــــات بلا منتهى

بقلم : آسيا بلمحنوف

 

     وأنا في كل حالاتي الطبيعية والشاذة لا أصلح لأكون رفيقًا جيدا، لأني في مرحلة متطورة جدًّا من حمى التشاؤم وقلة الابتسامة وكل من أعرفهم لا يطيقون هذا فِيَّ، لذلك فإنهم مُصيبون في الابتعاد عني دائما، لكني ومع عميق تشاؤمي وفرط كآبتي تراودني أحيانا حالات عجيبة أُصاب فيها بهستيريا من الضحك المفاجئ وفي مواقف يراها المحيطون بي تافهة ولا تستحق كل ذلك النفس الضاحك، أما أنا فأراها مناسبة جدًّا لأتخلص منّي قليلا وأنصرف إلى عالم آخر أقل حقارةٍ وكآبة، ولأني لا يهمني أن أكون مهذبًا بينهم لم أكن لأوقف نوبات الضحك التي كانت تراودني من أجل أحدهم أو إحداهن من ذوات الوجوه الفاتنة أخاف نشوزها، فآخر ما كان يعنيني رأي أولئك الأصدقاء الذين كانوا ينظرون إلي باشمئزاز دائم، وأبادلهم أنا نظراتٍ مُقرفةٍ ومرفوقة بكثيرٍ من الشتم جهارا لهم لأنهم يستحقون وأكثر، فمها كنت نذلاً جدّا في علاقاتي بالنساء إلاَّ أنني لم أجرؤ يوما على أذية المتمنعاتِ منهن ولا حتى الطائعات لعنفواني، كانت كل رغباتي محصورة في جسدٍ يقول لي هيت لك، ثم إنني رجل زاخرٌ بذكريات تُقلقني وكرهًا تسحبني إليها من حاضري، لطالما تأففتُ من أولئك الذين يلومون وحشية غريزتي لكني لطالما عذرتهم أيضا وبررت لومهم بغيرتهم فلو حدث وكنت في موقفهم لشعرت مثلهم بالغيرة من أحد مِثلي، فلطالما تملقت النساء قربي وأنا شاب أسمر في العشرينيات، مفتولُ العضلات يُداعب سواد شعري بعض البياض الفاتن، ومع أني لم أعد أُناسب المطلوب بشكل جيد وأنا في الأربعينيات أو على الأقل هكذا يُلمح لي بعض من يدعون أنَّهم أصدقائي، إلاَّ أنَّهن مازلن يتذكرنني كما كنت تمامًا، في لقاءاتنا التي ترتدي ثوب الصداقة تُذكرني كل مرةٍ إحداهن كيف كنت أجيد التقبيل، للنساء دومًا ذاكرة جيدة إذا تعلق الأمر بعلاقتهن، أمَّا أنا فلا أتذكر وجوههن كثيرا ولا حتى تفاصيل أجسادهن التي كنَّ يشتركن فيه لأنهن كنَّ كثيرات ومختلفات، ثمَّ إنني لا أهتم بتذكر ما فعلت معهن وبِهنَّ، كنت أمارس رغبتي في حِينها وأتعمد نسيانها في حينها أيضًا، كل مابقي عالِقًا في ذهني هو الإختلاف والتفرد الذي تميزت به بعض الأجساد، المستوشمات والمتفلجات كنَّ المفضلات عندي ومازلن إلى الآن، أما الممتلئات دون تفصيلٍ ما فلم تكن لي رغبة فيهن مطلقًا ومازلت كذلك أيضًا، وهذه كانت أكبر لعنةٌ حلّت بزوجتي…

   سنُّ الأربعين مُقرفٌ جدًّا يحاول الناس فيه أن يُقنعوك أن قطارًا ما سائرٌ نحو جنةٍ ما قد مرَّ من أمامك دون أن تكون لك فرصة لِتركبه أو حتى أن تراه يمر لأنَّه خبيثٌ ماكرٌ مرَّ في غفلةٍ عن المنشغلين بالقراءة ومُضعفاتها الحادة على عقولهم، ثمَّ إنَّ كل محاولاتك لأن تعيش هذه الفترة كما عِشت ما قبلها من السنوات تتصور الحياة جميلة وتمارس الحُب مع من تُحب سيراها الناس مراهقة وعودة لأحلام الصِبا، أو حتى نُقصًا ما لم تعشه في شبابك ويريد أن يكتمل بطريقة ما، وإن حدث واقتنعت بأسطورة الموت في الأربعين فاعلم أنك لا شك قد وضعت حدًا لما تبقى من حياتك وأحلامك مثلما حدث معي تماما، فأنا الآن لا شيء يُثير غرائزي التي أتذكرها مُتوحشةً قبل خمسة عشرة سنة، ولا حاجز مهما كان نوعه وقوته يستطيع منعها الوصول إلى غرضِها، غريزتي الجنسية تضاءلت جدًّا إذا تعلق الأمر بالنساء في الشارع أو الحانة، وهي ميتة مع زوجتي لأنَّها من الممتلئات دون تفصيلٍ ما يُثيرني أو يحثني على تحسسِ مفاتنها الفوضوية أو حتى النظر إليها بشهوة، وهي في المقابل لا تهتم بموضوع إثارتي أو تحريك رغبتي فيها، ورغم أنَّها مازالتْ تغتسلُ من عادتها اللعينة كل شهرٍ لأنَّها لم تبلغْ بعد الأربعين تبدو امرأة في الستين من عمرها، ليس جسمها ما يوحي بذلك فحسب، لكن طريقتها في التفكير أيضًا، وبحق كان تفكيرها لعنتي تمامًا مثلما كان مقتي للبدينات دون تفاصيل لعنتها، أنا هنا لا ألومها كما أني لست قرفًا منها، فأنا أيضًا كما هي أو أكثر أبدو رجلاً في السبعين رغم أني مازلت محافظًا على أناقتي لحدٍ ما، ألبس الجينز وأضع بعض العطر الفرنسي فهذا الذي مازالت أجيده بعد أن قتلت أسطورة الأربعين كل شبابي ورغبتي في أن أكون، وكل مرة أزداد يقينًا بها ويقينا أنَّ سن الأربعين كما قلت لَعينٌ خبيث يريد أن يقنعني أني لم أعد أصلحُ لشيء مفيد سوى إشعال سجائر “دافيدوف” الواحدة تلو الأخرى وأنا أقرأ بعض روايات أدب الرعب، كانت رغبتي تتجاوز تلك السجائر لكن زوجتي كانت تمنعني من إدخال قارورات “الفودكا” إلى البيت فقد كانت ثقافتها الدينية لا تسمح بذلك، لكنها لم تكن تُمانع إن تناولتها في الحانة كلما جمعني لقاء مع رفاق السوء، لم تكن لتحاول منعي لأنها كانت تُدرك أنَّها تستطيع منعي من كل شيء ماعدا “الفودكا” خاصة في ليالي الشتاء الباردة إنَّها فِعلاً تمنحنى الدفء الذي سرقته أسطورة الأربعين منّي وساندتها في ذلك زوجتي وغياب الأولاد في حياتي.

     أمَّا عن غريزة الأكل فلا أكاد أشعر بها لهذا صرّتُ نحيفًا جدًّا حتى ملابسي الداخلية استبدلتها بأخرى فالقديمة صارت كبيرة الحجم بشكل مقزز يجعلني أحتقر نفسي وأنا في الحمام أنظر ما تبقى من جسمي، مَذاقُ الأكل الذي كانت تصنعه زوجتي ليس سببا في نحافتي رغم أنَّه لم يكن محفزًا لأنَّ كل ما تُحسن صُنعه بعض الأطباق التقليدية التي لم تعد تُطيقها معدتي، وهي لا تهتم بتعلم المزيد اكتفت بما تعلمته عن جدتها أيام كانت تعيش عندها، ومع هذا لا يهمني هذا الأمر كثيرا  لأني كما قلت قليل الرغبة في الأكل، وان حدث واستشاطت رغبتي فيه المطاعم أين أعيش متوفرة والمال مُتوفرٌ أيضًا لذلك لا أفكر في ازعاجها بالطبخ كي لا تعتقد أني أصبحت سيئا جدًّا معها فتردد على مسامعي عبارتها المشهورة “صِرّت لا تُطاق”، ولحسن حظي كنت كلَّ مرة أسمعها “كُنت تُطاق يومًا ما”، ومع أني لا أهتم لآراء الآخرين السيئة فيَّ، رأيها الوحيد مازال يهمني بطريقة ما، لا تتساءل لماذا مازال يهمني رأيها لأنِّي أيضًا لا أعرف جوابًا لِسؤالكَ ولا أريد أن أعرف كما لا يهم أن تعرف أنت أيضا، لذلك سَأُحدثِك عن شيء آخر…

    كلما تفقدتُ غرفتي الخاصة والتي لا يدخلها أحدٌ سواي استقبلتني بحفاوة غريبة تلك الوجوه الكئيبة، تَنْظُرنِي من كلِّ ناحية وهي تبتسم بسخرية مقيتةٍ، جهرًا ألعنها وألعن يُسراي التي أبدعت في تجسيد ذاكرة حزني على لوحات شاحِبة، ومع هذا فأنا لا أنكر أنَّها رغم كآبتها مازالت تُذكرني بأني لم أكن الفتى الغاوي فقط، إنَّما الفنان المبدع أيضًا، اللوحاتُ تُذكرني بإعجابات الجمهور وتهافتهم لأخذ صورة معي، تذكرني بغروري وإحساسي الدائم بأني أفضل من أصدقائي، ورغم أنهم صاروا الآن أفضل مني بكثير ليس لتفوقهم بل لإنسحابي من حياة المثقفين إلا أنني مازلت أراهم فاشلين لأنهم لم يفهموا بعد مهمتهم في هذا الخراب الذي يسمة “الحياة” فالأمر لا يتعلق بفهم العالم كما كانوا يعتقدون بقدر ما يتعلق بتغييره نحو الأفضل وهم لحد الآن لم يفعلوا شيئا من أجل تغييره، حتى صديقي المُقرب طالما أراد أن يكون رسامًا مِثلي ورغم أنَّه كان يجيد رسم بعض المناظر الكئيبة إلا أنَّه لم يفلح يوما في رسم الوجوه التي كنت أخطها بعد أن أشرب قارورة من الفودكا، هو لم يكن من شاربي الفودكا لكنه لاعتقاده أنه إذا شربها أتقن الرسم صار يرافقني إلى الحانة كلما ارتدتها في ليالي الشتاء الباردة، الفودكا رغم كل شيء تعويضٌ رائعٌ عن دفء الأشياء التي نفتقدنها لأنها كما تعلمون تمنح الكثير من الدفء لشاربها، شكرا لروسيا العظيمة التي ابتكرتها شكرا لروسيا التي طالما فكرت في سعادة شعبها …

   لم أعد أملك طاقة كافية لتحمل كل هذه الأفكار الغريبة التي تُلحُ عليَّ وترمي بي كل مرة إلى متاهات بلا منتهى، كمٌ هائلٌ من الأسئلة يحيط بيَّ ويجعلني أعيش البؤس، في كل لحظة تمرُّ أتساءل هل الكل مِثلي يُفكر في قطار النجاة الذي مرَّ دون أن أركبه، هل كنت سأجد داخله أجوبة مُقنعة تُخرجني من كآبتي هذه، حتى كُتب الفلسفة التي قرأتها ومازلتُ أفعل لم تنفعني ولم أجد فيها أجوبة شافية، كل ما فَعلتْه أنها جعلتني أغرق في الهم الوجودي أكثر.

 

 

شاهد أيضاً

عام يمضي وآخر يجيء ..استطلاع “جنة كتب” حول الكتابـــــــة والقراءة ..ج 1

عزيز الكاتب ..عزيزتي الكاتبة .. ومراكبك تعبر نحو عام جديد ما اهم مكاسبك الثقافية خلال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

one × one =

*