globalnin

Bluehost coupon code india

godaddy discount coupon india

Pizzahut buy one get one

الجمعة , 30 أكتوبر 2020

قصيدة سقطت من ديوان الخريف …سميرة بولمية / الجزائر

  (( سلام كبرياء العبقرية و النخيل على روح فيلسوف الشعراء ” عبد الله بوخالفة ” ))

مدخــــل : (( إغرسي من موتي العابر آلاف الحقول !!   *عبد الله بوخالفة *  ))

 

ما أن تدفقت أشعة  شمس الحياة السابحة في مجرة  دم  ” عبد الله ” فوق رايات الوداع حتى امتطت أحرف   ” مالك بوذيبة ” أحصنة الفجيعة وراحت تبحث عن أضلاعه المرمية تحت عجلات القطار ، لم تكن تعلم أن دوائر الأسئلة مقيدة بأصفاد التشارين  و أنه من الصعب جدا سماع نحيب زنابق أصابعه الملفوفة في دخان الحصار .. عادت الى عش أوجاع ” مالك ” وهي تحمل حفنة من تراب الشجن .. دفنتها في قبو ذاكرة ” آخر الحيزيات ” على مرأى حسون إلهامه المتجلل بعباءة الحداد و أمسك ” رغم شراسة العاصفة بأوتار جسور ” سيرتا ” وراح يعزف من أعالي قمم النازلة سمفونيته الخالدة  :  ” هكذا يرحل الشعراء !!”  ..        ” هكذا يرحل الشعراء ” !! ..  ” هكذا يرحل الشعراء ” !! ..

غير أن ” شهرزاد ” لم تأت كما وعدته .. إنتظرها طويلا  في حديقة الجرح كما وعدها حتى اختنقت كل أحزان المدينة في أحلاق نوارس الغروب .. غير ” عبد الله ” إتجاهات الأنين فضاقت حدقة بحيرة حزنه الكبير فانقطعت أنفاس حبال الحنين وما أن حاول أن يلتقط آثار القطا على أجنحة أغانيه القديمة حتى كشرت العتمة عن أنيابها فارتبكت سبابة كمنجته وذبلت أفنان شجرة الماء في بستان رؤاه فضاع  منه سرب البنفسج  و رسائل الفرقد و تسابيح قوافل المجرة و جلاجل الأبدية و نياشين ” إبيقور ”  و ” افلاطون ”  و ” سقراط ” و ” كانط ” و ” ابن رشد ” و ” أبو حامد الغزالي ” وعقد فيلوسوفيا !! .

باعت الرياح المعقوفة الأظافر أشرعة مراكب ألحان هويته  لسارق كمثرى الفرح فهرب من غيمة الصباح ، ومن شرارة القلم ، ومن كسل مدخنة الوقت ، ومن نظرات الأزقة و المارة و المرضى و الموتى ،  ومن صمت فنجان القهوة  ،  و ضجر السيجارة ، و علاقم الجريدة ، ومن حلكة  قضبان الفراغ ، ومن  خنجر قارئة الكف التي مزقت خريطة عودته الى قلب ” شهرزاد ” !!..

سقطت قلعة ” عبد الله ” في يد سلطان الشك فاكتوى بحمى الخوف .. فلم يعد يرتب هواجسه أمام قضاة المرايا ولم تعد أبعاده توثق لتلك المسافات التي سمحت  للفهد أن يلدغ السنديان و البيلسان و سبايا الأرجوان و رقاب حراب الزمان  ..، ولم يعد يثق في جزر الفلاسفة وفي بخور المتصوفة وفي حناء رباعيات              ” عمر الخيام ” وفي صلصال الكلام .. و لم تعد نياق حروفه الشريدة  تشرب من منابع اليقين .. صار خائفا من غاطية الأسئلة التي غطت شبابيك قصرها .. ربما كان خائفا من نعومة مريهان في حنجرتها أو ربما لأنها لم تحرق طوق ياسمين طفولتها ووشاح أحلامها و إسورة جنونها في باحة أوهامه ولم تسلم أمواج عناده  العاتية  عرق رماد رمانة أشواق مقصورتها ، ومنديل دموع توبتها ، وآخر ذنب اقترفته لتخمد لهيب نيران همومها ، و ماتبقى من عطر سحرها وتنهيدة حبق لهفتها في أغوار ه  المقفرة ..

فهم ” عبد الله ” أن خوفه كان من الأصوات المنبعثة من قاع الخراب ومن فحيح ثعبان المكائد ومن دوار صبارة الغليل في عروق خيوله المنتكسة ..

تهدمت بانية السرداب فانحرف ظله و انكسرت نوثات صوته وتبعثر ريقه في دياجي المتاهة وانحنى سلم ظهره ومال وقار صولجانه المرصع بيواقيت الحكمة حتى لامس أقدام المغيب فاختلطت مقاصد أنهار حبرها بمقاصد بحار دموعها وتداخلت شهادة الدبران بشهادة حارسة أكاليل السناء والأقحوان ..

غرق طوف  لو ، وليت ، وربما ، ولعل وغرقت كل الخلجان المؤدية الى بوابات الأسباب الملتوية و الأفعال المتحركة والاحتمالات الممكنة ونجت مزامير ” شهرزاد ” والشريط الأخضر الذي كان يشد ضفائرها الذهبية الى قارب غربته الغامقة .. ربما أخفت عن أعين الماء أنها كانت تأتيه متخفية في هيئة سنونوة كي لا يفتنه حسن حسرتها .. ربما إخضر ريشها كي يحمر جرحها .. ربما اختارت الصلاة في قبو قوس الفراق حتى        لا تموت عدة مرات بسهمه المائر وحتى لا تلجأ للصلاة في حرائق الطفل المشاكس الذي داس بسنابك الإنتحار على قصيدة الجلنار حين لمع بريق عجلات القطار .. ربما كان قلبها سفينة من عاج وقلبه حقيبة صغيرة محشوة بتمائم جذوره وبخصائص بذوره وبوصية خيمة جدوده و بعصي دروبه وبحصى طفولته وبخطوات بداياته و بعثرات نهايته و بزاد قيامته  و ببعض سعف الذكريات !! ..

كانت سوسنات يدها تجوب ليل أهازيجه بحثا عن مغزل سروة عزته وعن ثروة تاريخه و دهليز كنوز قصائده و عن خفايا أوشام الضوء على ناصية أفكاره .. وكانت يده المسورة بعطش اللئام و الذئاب تعصر في كأسها أشواك الأسرار كي تبلغ سر نهايته فيبلغ نشوة موته العابر !!..

فـي روايــة ثانيــة ، 

مزقت ” شهرزاد ” رسالة الحرقة فاكتوت بجمر الإنتظار .. كان ينادي عليها من أعالي هوة الهاوية الفوهاء  يــ… ـا شـ….ـهـ……ر.. ز…ا … د ، ربما أغلقت كل أبواب قصورها .. أو ربما غيرت كل مفاتيح أسرارها .. وعناوين أسفارها .. و مسقط رأس أحلامها .. ولون ضفيرة حزنها .. و قبلة شامة خدها .. و ضحكة العسل في إلتفاتات مقلتيها .. ربما غيرت حتى اسمها عندما كثر الكلام !!..

ربما حاول أن يوسع نفق صرخته بكف كارمن وبحدس كربل حتى يبوح لها بسر ألغاز” إنسان كبير ” ظل إنسان غريب لم تتمكن منه العفاريت ولم تقدر عليه كلاليب السافيات  و لا مخالب كلاب الذاريات ،  لم يدخن الحصار ، لم يختنق في حلق الاحتضار ، ضجر من المشي في القفار ومن سماع حفيف أوجاع ” لشبونة ” في مرثيات الفادو ، ومن النوم في بئر الحوائن ، ومن الجلوس على كرسي الليل الداكن الذي لا يستمتع برقصات جنيات الديار المهجورة وبمعزوفات ربابة   الظلام ..

ربما مشى إلى الموت كي يحيا سنة أخرى داخل حكاية الثرى ، ربما مات كي ينتقم من مساحيق الحياة وبهرجها  ومن سياط الضباع و من زنزانات الدفلى ومن جاذبية تفاح السعادة ومن قوانين المرارة و التعاسة ومن حسابات أرباب الحل والربط والمنطق المقلوب .. ومن تجار العطش و الجليد و والهاجرة ومن حاجته الماسة الى سنين أخرى لا يريد أن يقف في ساحات اللامبالاة ليحاسب شبابيك قلبه و قافيته المنهكة .. أو ربما لم يمت !!..أو ربما موته موت الجميع !!.. ربما .. أو ربما .. هذا مالم تؤكده  ” شهزراد ” !!.

في رواية سريالية ،

ـ رن جرس الهاتف …

ـ “شهرزاد ” !!

ـ نعم .. أنا ” شهرزاد ” ..

فجأة انقطع الخط .. أو ربما هناك من قطع الخط .. أو ربما هي من قطعت خيط الخط !!..

من زاوية أخرى .. حين مال البحر ” صوب الشاطىء المدفون ” ذهبت زهرة الليلك البنفسجية الى غابات صبره ، لم تجده قرب  ساقية العسل .. انتظرته طويلا كما وعدته .. اقترب سلطان الغروب .. أغلقت أجنحة أحلامها و نامت .. عاد     متعبا .. ربما لأنه قرأ على صفحات كتاب حياته بين جدران  تلك  الليلة     الموحشة .. ربما لأنه خالف وصية الرماد .. و دار حول أشجار أسئلة التراب الكثيفة  فصار لا يعرف بماذا سيكتب أنين قصائد بيته الجديد أو لمن سيكتها .. وكيف سيرسلها .. ومن سيقرأ قصائد طائر داس على أغاني فراشاته بعجلات قطار ضرير ؟ ! ..

ارتمي ” عبد الله ” في خندق الأرق كي يواجه نواح أورام الأمكنة ، ونباح  الأقنعة .. ما أن فاح أريج نبوءة ” الشيخ البصير ” حتى أدرك أن ” شهرزاد ” قرأت كف ” الكفن الماطر ” لهذا أغلقت كل الدروب التي لم تعد تؤدي الى وحشة ألوانه ..  و إلى عرش زنابقه التي لم تألف غيابه .. هل كان عليه أن يعود الى بداية جنونه كي يفضح مؤامرة السراب ولعنة أشباح الجدار وخيانة ” ماكبث ” الذي كان يحرضه على حرق كل حدائق شموعه في محرقة اليأس .. لم يمنع الأسى من دخول مفاصله المحمومة ..  مشى خلف خطوات ذلك الأحمق الذي عبث بلآلىء تاجه الأرجواني حتى بلغ نفق النهاية المسدودة .. وكان ظله يصرخ به :       (( ابك ياعبد الله .. ابك  .. فلاحرج أن يبكي الشعراء !!)) لكن ” عبد الله ” لم يعد إلى عادته القديمة .. لم يتوسل عفاريت المدينة و لم يقبل جبين قسنطينة و لم يشتر خبز الدار لينسى إهانات الجدار ولم يتراجع عن فكرة التوجه نحو فكرة الموت .. ولم يبك كما يفعل كل الشعراء فلم يعد المصباح النحاسي يضيء تقاسيم حديقة طفل بصير، أمه الجوهر ، وأبوه هسيس الأصيل لعرش الصهيل ، و وطنه قصيدة المعذبين فوق كوكب الشعر..

على  مرأى جسور المدينة المعلقة أخفت عرائس الخريف خزائن جرحه المفتوح ، وعلى مرأى أفراس الفلسفة عبث زبانية النار بمرجان قلبه المذبوح بحد سيف مذابح الاستهتار، وعلى مرأى عجلات قطار الرقطاء سرقت منه الرياح المتجعدة الشعر ضفائر حيزية ، حاول اللحاق بعمامة شعره المزبرجة بزمرد العمق  والبهاء .. و ببجعات أحلامه البيضاء .. و بعربة نجمتها الزرقاء .. و بحصانها الألمظ .. وبموكب أساطير الدهشة التي جمعتهما تحت قبة المستحيل .. تعثر بريش عصافير وعوده لها و بخيوط شرنقتها .. و بخطب طواويس الرياء .. و بجزم خطايا الأباطرة .. و بشظايا ناياته التي كسرتها عجرفة الجبابرة ..  تفتحت أكمام زهور كفنه الوردي فبكت شتلة الماء العذري في غيمة حداة الحداد وبكت قبرات أفراحه في حجرة ذكريات منافيه .. سكت كل شيء حتى غناء الطفل البصير .. حاول   مالك ” الغوص في أنهار روايته و التقرب من أسطورة جمراته و التغلغل في صحاري غربته و الجلوس في شرفة  فصله الخامس .. سكت ” مالك ” حين لمح في إحدى زوايا الفجيعة سنابل ” شهرزاد ” وهي تفتش في جيوب حقول  ” عبد  الله ” عن كعب حذاء ربيعها ، و عن زر معطفها ، و عن صورتها وهي تزرع عروق فسيلتها في روضة  سحابته السمراء  ، وعن نظارة شهادتها المجروحة !!..

ـ في رواية غير موثقة :

قفاره البعيدة ضيعت على طيور الغمام فرصة العثور على غاطية أحزانه .. وكانت أسئلة القضبان والخلان  و الليلة الظلماء وأبناء الجيران تفتش في أوراقه القديمة عن  الممر السري المؤدي الى ثماره المقدسة .. واحتاروا وهم في قبضة الشك أمن مغارة الجرح يبلغون مرادهم أم من نفق  القطار ؟!.. تغير وجه المرثية .. لم يعد ” عبد الله ” قصيدة منسية في دفتر ” شهرزاد ” ، ولم تعد حكمة الانسان الكبير مقتصرة على الشعراء فقط .. فجنية الشعر ما زالت تنسج له على نول القمر ملاءات من فضة و صفصافة الفلسفة مازالت تزرع سنابل ذكرياته في حقول الضوء  و حبال جسر ” سيدي مسيد  ” مازالت تحتفظ بإطار صورته الرمادية و سيرتا مازالت تحرس دفوف صرخاته كي لا تخسر حقها في شجرة المطر التي كانت تزين خميلة أفكاره     و في نهره الأزرق  الذي كان يعيش مع أنهار الصواب وفي شرفات الورود التي فاح أريجها في حدائق نظراته وفي السكينة التي تعبدت في محاريب أشعاره وفي تلك الشعلة التي أيقظت بهجة العليق و المردقوش و الرمان وهو في طريقه الى فراديس الخلاص ..

 

ـ في خمس روايات أخـــرى :

ـ رواية أحد المقربين من مدخنة جرح ” عبد الله ” : 

حين انقطع حبل صبره اشتد لهيب لهفته لرؤية مصباح الله المعلق في سدرة الأبدية والتجول في بساتين السرمدية و تذوق كمثرى الصفاء وكتابة قصائد أمه بحبر الغيمة الناصعة البياض .. فاختنق جسر سيرتا في معلقته الاخيرة وضاع منه مفتاح داره القديمة .. لم تكن الحقيبة ثقيلة .. والمسافة التي تفصله عن ظلمة النفق قصيرة .. لكنه تأخر قليلا عن الموعد المحدد !!.. قيل تعثر حذاء خطواته البطيئة  مرة بعجلات عربة الحياة ، ومرة أخرى بعباءات الذكريات .. دخل ” عبد الله ” معبد روحه وصلى على سجادة الشيخ البصير كما كانت تصلي خيام الشعراء و حمى الأشقياء و أهازيج السنابل وآهات الغجر  و القبرات في معابد أرضه ورش جنة جبينه بدموعه المعطرة برحيق زهور الطفل المشاكس كما كانت ترش مطرة أحلامه قرنفل جنائن  ” شهرزاد ” .. نجى ” عبد الله ” من لدغة عقارب متاهة الحيرة و الحسرة  فخرج من سواد الشك مبللا بعرق الصحراء و دخل مدينة اليقين وهو ورقة خضراء .. لم تتلطخ جبة روحه بدماء الفجيعة ولم يخسر بريق الماس في نظراته العميقة ولم ينكسر الماء في خطبته السامقة و لم يتشوه وجه   ” الكفن الماطر ” .. لم يضيع صولجان الحكمة التي مكنته من امتلاك أسرار حرفة النحاتين و حجر خاتم الفلاسفة .. ولم تغضب منه ربة الشعر التي منحته تلك القدرة العجيبة على رؤية أشباح الظلام وهم يفترسون أفراس مملكة الحلم على مرآى تماسيح تشرين .. نام في أمان أسطورة الصلصال كما تنام الفراشات في أحضان دمقس البهاء .. هكذا صورته فرشاة السدى وهو محاصر بسياج الوجع وصورت ملامح المهر العنيد الذي ترعرع مع كبرياء النخيل وشربت أنفاسه من سواقي الهديل فتعلم طقوس النفخ في رماد الأنين على يد غزلان الحنين ..          التي جمعت  في حلق مزاميرها أشلاء ضحكته التي بعثرتها سافيات القطار..

ــ رواية شاعرة أحرقت مذكرات معطفها الوحيد :

 تسلل ” عبـد الله ” مغارة الجرح وفي يده إزميل القصيدة الأخيرة .. جلست بالقرب منه الذكريات المتزملة بوشاح الرمال وحارسة حبال جسور سيرتا .. أشعل قنديل الغريب كي لا يظلم نبوءة الدخان المتصاعد من رماد عنقاء عناده .. صلى على جمر الوداع صلاة الغائب الذي سيعود يوما إلى دياره القديمة .. شرب أنهار دموعه حين لاحت له فراشات النفق الطويل .. لم يتردد في تكسير أصابع حكمة الحياة تحت عجلات قطار الموت ليثبت لسافيات التشارين انه الزلزال الذي اقتلع آخر نخلة شعر كانت مغروسة في واحة الفلاسفة .. كان  ” عبد الله ” مزيجا بين الماء و بين منافي القفار لهذا لم  يتحسر كثيرا على تاجه الذي سقط من أعالي الهاوية ولم ينزل ليلتقط تميمة أمه ” الجوهر ” .. ولم يهتم لعويل أحزان ذلك الصباح ..  ولم ينتظر أي شيء من حبر أسوجة الغربة ، وحبر جسده الضال ، وحبر دمه القاني  ، وحبر ملحمة الشعراء .. كانت محاولة متواضعة من قلم جريح أراد  أن ينقل بعض المشاهد من حياة إنسان كبير كانت ربة الشعر تحرقه بنيران لهفتها وكان يركض خلف أفراسها  وحين يلحق بها يلهو بضفائرها الطويلة ليسرق من حدائقها عشبة  الخلود .. لهذا من الصعب أن يسكت نايه الخرافي عن الغناء .. و من المستحيل دفن قصور جنيته  في مقبرة   النسيان ..

ــ رواية بائع الكتب القديمة و دواوين دوار الشمس و النرجس :

 حين اختنقت أهاليل قصائده في هواجر يهماء التيه .. وتجعد ماء الحياة في عروق تينة صبره ..       و اكفهر وجه وشاح الأماني الذي كان يربط لهفة نرجسته بعهد  نرجسة  ” شهرزاد ” .. وذبلت أغاني البنفسج في تحية الصباح .. قرر” عبد الله ” أن يسافر إلى قصره في السماء عبر سكة القطار .. جمع حطب فلسفته في مقبس فكرة الرحيل و أوقد النار في كل أوراقه التي أغرقت سفنه في حيرة البحار .. لم يتضايق من الأرض التي صارت بحجم علبة كبريت ولا من الوطن الذي أخذ شكل إبرة ضريرة ضاعت في محنة الهشيم .. ولم يعاتب سعال النحل في صدر أمه وطعم اللهاب في نبع حنانها  وبثور القحط على وجه مرآة جسمها  .. ولم يضجر من نحيب أوتار ربابة نخلته التي فهمت قصده لما تفقد سرداب أضلاع أمانيه حين غفى قلبه على مصلبة محرقة الجرح .. اختصر الطفل المشاكس رحلة البحث عن نهايته عبر بوابة الشيخ البصير على مرأى ضفائر “حيزية  ” و زر معطف  ” شهرزاد ” .. فكتب آخر قصيدة بمداد الغيوم التي نزلت لتشرب من بحيرة دمه البار.. وكتب تشرين على صحف الفجيعة :  (( وداعا يا آخر نخلة  كتب عنها دوار الشمس                 و النرجس !!  )) .

ــ رواية المقعد المنسي في مقهى الشعراء

 حين لدغت أفاعي القطار غيوم  ” عبد الله ” ، شعر بعطش البحار فابتلع كل أنهار الشعر ، والبحر الذي كان يصور له تفاصيل فصول وجهها على فيروزج قلادة القمر، ثم رمى بحقائبه الثقيلة  في عربة    الموت .. قيل لم يعتذر من جنية القفار ، و لم يودع  بئر الفلسفة ، بل غطاها بجبته الرمادية  و تكلم مع كمنجات الجسور المعلقة و قبل جبين  ” قسنطينة ”  وترك عند بائع الأمل سجادة الحنين القرمزية التي غزلتها مواويل أمه على نول الأنين .. أغلق ” عبد الله ” نافذة أوجاعه  الكبيرة التي كانت تطل على كثب الفراغ وعلى جبل ” شهرزاد ” بعدها مزق دفتر يومياته على مرآى أفران الخبز البارد ، ولم يشرب فنجان قهوة النهية لأنها لم تكن مرة كما تحبها جنية ” آخر الحيزيات ”  !!  .

 

ــ رواية قارىء ” الفهد اللديغ   ” :

أوهمته القضبان أن الشمس لن تشرق مرة أخرى من خاصرة الجرح .. وأن الفلسفة صارت أسيرة أصفاد ليل التتار..  وأن ربة الشعر قد فضلت لدغة صل التشارين على البقاء رهينة في قصور الضباب  لهذا تمسك بأشرعة الريح وتركها تقوده نحو هاوية القطار .. حين أدرك أن وجه السجان سجن كبير يغتال الشمس وأغاني الطيور العائدة من حقول الشعر .. فضل أن يسلم سنابل رايته لمارد الخراب .. كان يعلم أن محنته ستكبر لتأخذ حجم الأرض و السماء .. وأن بوق القيامة سيباع في المزاد العلني كي تشتهر تجارة  صكوك الغفران .. كان لا يريد أن يتلطخ بعرق ذنوب أقنعة الحواة وبدماء معاصي رقصة الذئاب واللئام و الضباع  .. كان كل همه أن يموت كي يصبح موته موت الجميع .. وظل رماده يحك جراح الفهود على مرأى غطرسة عجلات القطار .. فهل بقي شيء تخفى عن عيون أوجاع الفهود / الجريحة /  لم تبلغه حاسة أقلام البكاء ؟..   ” عبد الله ”  حارب الصخر الذي حاول أن يكسر كبرياء أمواج  العناد .. و دافع عن المساحة الصغيرة التي تسكنها نخلة الصابرين على برودة قلب الثلج وعلى جنون عفاريت النار.. لقد أزعج التماسيح و الثعابين والضباع  لهذا انتبهت خفافيش القفار لثورة كلماته.. بقي كرسيه شاغرا وبقيت روحه تجوب سوق العصر كلما حطت قوافل الرياح المالحة رحالها وكلما ضربت خيامها الملعونة حول جنان الأماني .. ما أن انتهى من قراءة ناصية الجرح حتى قرع أجراس المدينة التي رافقته إلى باحة  الموت وفي يدها عمامته المزبرجة بيواقيت الشعر و الفلسفة  فأيقظ صهيل أهازيج الانسان الذي ظلمته طقوس مدافن الغياب و سياط الزحام ــ القاحل ــ .. فصاحت الفهود :  (( إغرسي من موته العابر آلاف   الحقول  ))  ..

 

ـ في رواية آخيرة :  

 لم يتحمل عاتق ” عبد الله ” آثام المدينة التي قطعت يد فارسها وساق فرسها بمدية الكراهية وذهبت للنوم في أحضان أبالسة القبح و المنكر و الأحقاد ، ولم تتحمل عنقاء الكبرياء المتهجدة بمحراب نخيله رؤية صفصافة حنجرته وهي محاصرة بثرثرة  الذباب و بوقاحة الأوحال و برائحة أجياف الوعود                         و العهود المنتشرة في كل مكان .. وتبخر طيفة الزهري عندما عجز عن فعل أي شيء لجذوره التي بدأت تختفي عن الأنظار ، ولم يعد يفهم لغة السماء التي لم تعد تثق في قسم المطر .. ولم يعد يصدق دموع محابر الخريف التي تحولت إلى مآسد .. ولم يعد يعرف كيف يواجه مردة الخطوط الحمراء و أغوال التيارات والترهات و البيارات و الألقاب و الشعارات !!..

نفخ ” عبد الله ” في صور الفلسفة ثم صلى خلف ظله المجروح صلاة الزاهد الغائب عن كل ما كان وما يكون وما سيكون .. و نادى على ملائكة شعره بكل أسماء البحار .. أمسكته ينابيع الأماني من رقبة نهره الخائف فمزق قميص الوحدة بمقص المجدار حين اصطدمت أنفاسه المتقطعة بأقفاص الجدار فاقتلعت مخالب النازلة اللؤلؤ المسجور الذي كان يزين مبسم مركب عمره فانقض العراء على جسد ” عبد الله ”  فتلطخت أوراق أجندته بدماء الظلام .. لم يعد يتذكر تلك الدهاليز العجيبة التي كان يلتقي فيها بجنية الحقيقة .. نسي كيف كان يداعب أنفها حين يمل من مداعبة مكنستها .. وكيف كان يمازحها دون أن يسيء لمنزلتها ولعلو شأنها و دون أن يزيل الفوارق التي بينهما ،  نسي كم كان يشاطرها رغيف التأمل و إكسير التحليل والتريث ، يغامر بكل ما يملك من جرأة فيناظرها وكأنه من نفس سلالتها له مالها و ما عليها  على مسمع صافات الهزيع الأخير …

نسي ” عبد الله ” كل شيء حتى الجسر الوحيد إلى الحرف الأخير من اسم مملكة أمه التي كانت تزور درويش القبيلة حتى يدلها على الحرف الأول من اسم حبيبته التي سرقته من الفاتنة  ” أدبسينام ” !! ..تمرد ” عبد الله ” على عقيق تاج أشعار سلطنته .. وعلى أجذاع  سيجان عبقريته .. وعلى جني السراج النحاسي الذي كان يأتيه بآخر الأخبار..

قيل قال ” لقد وصلت الجدار ” لهذا يبس الماء والزرع في عروق الطفل المشاكس فلم يعد يرغب في رؤية أنامله وهي تكسر مرايا سجون الضباب أو الإستماع إلى أناشيد الطفل البصير .. ابتعد كفه عن هوامش ذلك الصباح البارد فاقترب أكثر من نافذة الحسرة التي تطل على ثعبان القطار .. نزع عمامة الحياة ، وعباءة الشعر ، وجبة الفلسفة ، وحزام الصوفية ، ونعل جسر سيدي مسيد ، و أطفأ فوانيس ذاكرة التجوال في أسواق ” فيسرا  ” ، و ” العربة ” ،  و “بسكرة ” و”  سوق العصر ” !!..

مشت أحلامه الحافية القدمين إلى نقطة التقاء زنابق أمانيه  بنهايته الحالكة وهي ترتدي كفن     الوداع ..

قبل أن يخشخش بين أسرار الخراب سأل ” عبد الله ” ” جان جنيه ” : (( هل بقي شيء تخفى عن عيوني ؟ )) أجابه ” جان ” : (( لا تزعجني إن حزني عليك مقدس !! )) ..

واستيقظت سيرتا على عويل عروس الزيبان و بساتين النخيل و أمه الجوهر !! ..

 

 

شاهد أيضاً

تـناص قـماشي. قصة : بـقلم/ السـعيد مـرابـطي -الجزائر

أهي لحظة فارقة، أم ترى هي مواعيد مقيدة له اختبأت بــها مفــاجآت؟ وهو الذي نهض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة + أربعة =

*