globalnin

Bluehost coupon code india

godaddy discount coupon india

Pizzahut buy one get one

الخميس , 13 ديسمبر 2018

هذا ليس زمـــــــــــــــــــان الرواية بقلم : الأستاذ عمرو منير دهب

   

هذا ليس زمـــــــــــــــــــان الرواية *

   عمرو منير دهب

[email protected]

 

النبوءة أم الواقع؟

أيهما سبق الآخر: المُقوَّلة أم الواقع؟، مقولة “هذا زمن الرواية” أم الواقع الذي تشير إليه المقولة؟، مهما يكن مدى الاختلاف في قراءة ذلك الواقع من قِبل أولئك الذين لا يوافقون على المقولة، وهم للحق قلة، وأحيانا (غالباً؟) لا يكاد يُسمع لهم صوت مؤثر على الإطلاق، ما لا يدع مجالاً إلى إنكار أن “زمن الرواية” أوشكت أن تصبح قولاً سائراً في وصف زماننا الأدبي هذا ولم تكتف بأن خلعت تأثيرها الساحر على جنس الرواية الأدبي فحسب، وإنما (ربما من قبل) غلّفت المقولة نفسها – كما بدا لاحقاً – بقدر لا يستهان به من التبجيل، فأصبح من تساوره نفسُه بنقد المقولة يفكِّر مرتين ثم يعدل عن التشكيك فيها إلى ما يشبه معاتبتها بقدر واضح من التودد.

عرضتُ في أكثر من موضع في “تبّاً للرواية” إلى أن نجيب محفوظ نظر إلى القصة منتصف الأربعينيات الماضية فرأى أنها شعر الدنيا الحديثة، لكن نبوءته تأخرت عربياً أمام سطوة الشعر الغنائي العربي الذي ظلت فنون السرد تكيل له اللكمات ويبدي صموداً حرياً بالإعجاب، فيترنّح على أسوأ فروضه ثم يعود ليقف منتشياً بين الجماهير العربية ولا يخرّ صريعاً بالضربة القاضية أو حتى العدّ إلى عشرة كما كان يؤمِّل الروائي الكبير في نبوءته التي أطلقها قبل حوالي سبعة عقود.

 

وإذا كانت تلك نبوءة سبقت واقعاً على سبيل التبشير به (ولم يتحقق بعدها ذلك الواقع تماماً على كل حال)، فإن الناقد البارز الدكتور جابر عصفور – كما أشرت في “تباً للرواية” – “فعل العكس تقريباً في مسألة الحكم على زماننا رجوعاً إلى سيادة أحد أشكال الأدب والفن عليه، فقرأ واقعاً وقذف به بعد إعادة صياغته في عنوان بالغ الإيجاز على أنه نبوءة، هذا على الرغم من أن الواقع المقروء نفسه قد تعثّر شيئاً ما ليعود الناقد الأريب فيعمل على إعادة صياغة مقولة “زمن الرواية” بمطّها حتى تصبح “زمن القص”…”. ومجدداً، لا يزال الشعر يظهر قدرة على دغدغة وجدان العرب، على الأقل في الحضور الجماهيري، في الندوات والاحتفالات والمسابقات على اختلافها، بما يقض مضجع الرواية التي تمنِّي نفسها بالانفراد بالزمان والمكان العربيين كما تنبّأ روائي عربي عظيم وأعاد القذف بالنبوءة إلى أسواق الأدب ناقد عربي بارز بعد أكثر من نصف قرن تخلله الكثير من نبوءات وأحلام عشاق فنون السرد من كل قبيل.

 

عن المقالة أتحدّث

ذلك عن الشعر أمام الرواية، بوصف الأول ديوان العرب الأزلي والمنافس الأكبر الذي تتعمّد الرواية الإطاحة به، ولكنّ في الساحة الأدبية العربية منافسين مشاكسين آخرين، بعضهم عظيم التأثير، ولكن للأسف فادح التواضع: عن المقالة أتحدّث.

 

وتواضع المقالة بين أجناس الأدب ليس بسبب قصور فني يحيط بها وإنما لإهمال النقاد لها، وإن يكن السبب الأهم في تقديري هو تواضع كُتّابها من حيث الإحساس بقيمتها وإمكانياتها الفنية، وقيمتهم بين رصفائهم الشعراء والروائيين وغيرهم ممن ظلوا يعتلون مقامات أكثر تقدّماً في بلاط الأدب. وقد أشرت في حوار بجريدة البيان الإماراتية حول “تباً للرواية” إلى أن كل ما تحتاجه المقالة هو بعض الانتباه الإعلامي، بعض الجوائز السَّنية، وكثير من الثقة في إمكانياتها (من قِبل الكتّاب أنفسهم ابتداءً) لتتفجّر بسحر ليس في وسع ناقد السيطرة عليه.

“النثر ديوان العصر”… هكذا أفضل.

ليس مما يشغلني تنصيب سيد لفنون الأدب مكان سيادة الرواية المزعومة لزماننا الأدبي هذا، ولكن إذا اضطررت إلى ذلك فلن أتردد في تنصيب المقالة سيدة لهذا الزمان. وقد وقعت أثناء إعدادي لهذا المحاضرة على إشارة (نقلاً عن موقع “ساقية”) لرسالة من محمود درويش إلى سميح القاسم ضمّها كتاب عنوانه “الرسائل”. استوقفني ببهجة وافتتان قولُ درويش لصديقه القاسم: “يبدو لي، يا عزيزي، أن النثر هو ديوان هذا العصر، إذا أبقى له التلفزيون له باقية!”، أمّا التلفزيون فمنافس شرس للأدب المكتوب لا ريب، ولكن ما لم يدركه درويش أن التلفزيون نفسه قد بات يترنّح حتى لا تكاد تبقي له وسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف أنماط تعبيرها باقية، ولن أتردد برهة في أن أمنح صفة “الأدب” لكل أنماط التعبير التي تكتسحنا عبر وسائل التواصل الإلكترونية تلك عندما تُكتب بعناية، وأغلبها لا يجد من قوالب الأدب أفضل من المقالة لاستيعابه تصنيفاً حتى إذا لم يتعدّ مائة وأربعين حرفاً وحسب.

وبرغم إشارتي احتفاءً إلى محمود درويش في “تباً للرواية” بوصفه “الشاعر عاشق الرواية”، فإنني لم أكن قد وقعت حينها بعدُ على تصريحه الرائد والشجاع هذا، لكن ما يدعو إلى حفاوتي بالتصريح وصاحبه حفاوة مضاعفة في هذا المقام أنه كان حينها أنفذ بصيرةً من أن ينسب ديوان العصر إلى جنس أدبي بعينه كالقصة أو الرواية، وإنما أطلق النسبة لتشمل النثر بصفة عامة، وقد أشرت في “تباً للرواية” إلى النثر لدى العرب بوصفه الكلمة “التي حوت سائر صنوف الأدب غير المنظوم في صور محدودة لم تعرف شكل القصة أو الرواية أو المسرحية إلا حديثاً قبل قرن وبضعة عقود على أبعد تقدير”.

“النثر ديوان العصر” إذن مقولة لن تجد لديّ من الاعتراض ما تجده مقولة “الرواية ديوان العصر”، لأكثر من سبب جوهري وموضوعي، وأهم تلك الأسباب يتعلّق بالمعيار الذي يجعلنا ننسب زماننا الأدبي إلى جنس بعينه، والمعيار ليس سوى الحظوة، انتشاراً وقبولاً، وعلى هذا لن تستطيع الرواية مزاحمة المقالة في الانتشار والقبول بعيداً عن زخرف التسويق وأبهة المقام المصطنع، فإضافةً إلى ما سبق ذكره قبل قليل من اكتساح التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي في تطبيقاتها المختلفة، وبالاقتطاف مجدداً من “تباً للرواية”، أؤكد بأنني “لم أعد أجد حرجاً من الإشارة إلى أنه فيما عدا الأعمال الأدبية والفنية التي تندرج تحت الشعر والقصة والمسرحية والكتابة الدرامية وما شاكلها، يصحّ أن يُوصف سائر الكتابات النقدية والفكرية في شتى أبواب الحياة بانتمائه إلى جنس المقالة، هذا فضلاً عن الأعمال الأدبية الخالصة التي تفخر بالزهو في ثياب المقالة دون تورية. وعليه، فإن كل كتاب يوشك أن يدخل في جنس المقالة عدا أكاذيب الشعراء (أقولها بتأنيب ضمير شديد) وخرافات القصاصين (وهذه بضمير مستريح)”. بذلك لا مجال للمحاجة في أن المقالة هي الأكثر انتشاراً واستساغةً، ليس بين عشاق الأدب فحسب وإنما لدى كافة القراء على اختلاف طبقاتهم وميولهم، حتى إن المقالة خارج إطار الأدب تكاد تنفرد بسوق الكتابة انفراداً حصرياً.

ماذا عن الدراما التلفزيونية؟

لا أدري كيف يمكن أن يكون شعور أسامة أنور عكاشة رحمه الله لو أنه رأى اليوم جلال الرواية والروائيين المهيب، فقد كان ينصح زملاءه الروائيين قبل نحو عقدين من الزمان بضرورة التحوّل إلى كتابة الدراما التلفزيونية لأن زمان الرواية قد ولّى. اللافت ليست ثقة عكاشة في نصيحته المزجاة، وإنما تردد الروائيين في الصمود في وجه تلك النصيحة (الوعيد؟)، حتى إن قصارى جهدهم في الدفاع عن فنهم تمثّل في إجابات من قبيل أنهم يرون أنفسهم في الكتابة الروائية دون أن يتجاسروا على ذم موضة الدراما التلفزيونية التي استشرت في أعقاب النجاح الأسطوري لأسامة أنور عكاشة شخصياً.

لم يخفت بريق الدراما التلفزيونية اليوم بحال، كل ما هنالك أنها غدرت بالكاتب فسحبت سجادة النجومية من تحت رجليه وأعادت وضعها تحت أقدام المخرج والمنتج وربما مؤلف الموسيقى التصويرية ومهندس الديكور وهلم جرّا.

ليس من السهل إذن القطع بالإجابة على السؤال: زمان أيِّ فنون الكتابة هذا؟، إلا ما كان على سبيل التنجيم أو الملاحظة العابرة بأن هذا الجنس الأدبي هو موضة هذا العصر الأدبية.

وجدير بالانتباه أن مقولة “الشعر ديوان العرب” كانت إشهاراً لحقيقة واقعة، وليست تنبؤاً يصدقه الزمان أو يكذبه. ومع أنني لست من أنصار النبوءات الأدبية، فإنه ليس من الحكمة الوقوف في وجهها ابتداءً، كل ما هنالك أن على مطلِق النبوءة الأدبية تحمُّل كافة تبعاتها في حال جرت الأيام بعكس أو غير ما حَدَسه.

في الترقب السرمدي لجائزة نوبل

ليس من الحكمة أن نجلس للأبد نترقب الفائز بجائزة نوبل لنحدد وجهة زماننا الأدبية. الجائزة رفيعة المقام حقاً، ولكن ليس بما يمنحها تفويضاً مطلقاً للحكم على مصير كل زمان ومكان أدبيين.

ولكن المدهش أن نوبل تفاجئنا بما لا نستوعبه سريعاً من النقلات الأدبية، (ولن أتورع عن القول “الصرعات الأدبية”)، فعقب شيوع فكرة “زمن الرواية” إلى حد اليقين عندنا (وعالمياً بتفاوت في التقدير) تفوز بالجائزة على سبيل المثال كاتبة قصة قصيرة هي الكندية آليس مونرو Alice Ann Munro   في العام 2013 ، ثم يعقبها بثلاثة أعوام (2016) شاعر غنائي هو الأمريكي بوب ديلان Bob Dylan (وهو مغنٍّ وملحن في الوقت نفسه). تلك جرأة في النظر إلى حظوظ فنون الكتابة أرجو ألا يكون قدرنا الجلوس طويلاً قبل الإقدام عليها.

 

وأخيراً: لماذا هذا ليس زمان الرواية؟

إذا صحّ على سبيل التسليم الجدلي أن الشعر قد انقضى زمانه، وصح كذلك – لنفس الاعتبار – أن هذا هو زمان فنون السرد، فإن القصة القصيرة أولى بالاستحواذ على القارئ في عصر السرعة. انتبه عشاق “زمن الرواية” إلى ذلك فتداركوا المقولة بمنطق – متناقض وخادع في الوقت نفسه – يزعم أن تعقيد قضايا العصر الكبيرة يستلزم فنّاً أدبياً معقداً بدوره للتعبير عن تلك القضايا بما يجاوز بساطة وسرعة القصة القصيرة النسبيتين، فكانت الروايةُ. هذا منطق متناقض مع فكرة السرعة التي هي الميزة الأهم لعصرنا هذا بما يفوق سِمة التعقيد. الأكثر أهمية أن المنطق خادع لأنه يفترض ضمناً أن كل رواية تنتوي التعبير عن كل قضايا العصر، أو على الأقل عن قضية واحدة كاملة… لذا لزم التطويل.

والرد في بساطة إعادة المنطق ليكون مؤازراً وصادقاً: أما المؤازرة فتكمن في أن سرعة العصر أنسب لها القصة القصيرة، والأنسب مطلقاً المقالة بتفجير طاقاتها الإبداعية واتساع صدر النقد لها بما تستحقه من تقدير. وأما الصدق فيكمن في الإقرار بأنه ليس في وسع أي عمل، حتى إذا كان موسوعة كونية شاملة أن يعبر بمفرده عن كل قضية، ولا أن يستقصي كافة الجوانب لقضية واحدة، وعليه فإن قضايانا المعقدة هذه تستدعي بالضرورة ما لا حصر له من الأعمال للتعبير عن بعض جوانبها، فما فضل الرواية إذن والحال كتلك ما دامت رواية واحدة مهما تبلغ من الطول ليس في وسعها أن تزعم استقصاءها لبعض جوانب قضية ما من كافة الوجوه؟

عصرنا هذا لم يكلِّف أحداً من الأدباء بمهمة تفكيكه وتشريحه لاستقصائه ظاهراً وباطناً، كل ما علينا أن نعبِّر عن أنفسنا في خضم العصر، سواء برواية، أو قصة قصيرة، أو قصيدة، أو أغنية، أو حتى تغريدة لا تتجاوز المائة

وأربعين حرفاً.

   * نص محاضرة الكاتب التي ألقاها بمركز سلطان بن زايد ، ونشرت بناءً على موافقة الكاتب.  

شاهد أيضاً

 “نمشي ونجي”بيان الثورة الأدبية :  عمرو منير دهب

 “نمشي ونجي”     بيان الثورة الأدبية      عمرو منير دهب [email protected]   لن يكون الموعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twenty + nineteen =

*